مع تسارع التحولات التقنية العالمية، يظهر الذكاء الاصطناعي كخيار معرفي ودود متاح للعديد من الأشخاص، سواء لمساعدتهم على إنهاء مهامهم العملية أو للتفريغ عن مكنوناتهم الداخلية باعتبار تطبيقات الدردشة صديقاً ودوداً يتماشى مع مشاعره ويؤيد أفكاره، إلا أن العديد من الأبحاث والدراسات العلمية تكشف أن الحديث مع روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تولد معلومات خاطئة وتتماشى مع أفكار المتحدث إليها وتدعمه في تبني معتقدات خاطئة لمجرد أنه يراها صحيحة، بالتالي تعزز أوهامه مما يؤدي إلى حالة مرضية خطيرة تُعرف إعلامياً بمصطلح “ذهان الدردشة الذكية”.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
ذهان الدردشة الذكية
يُعرّف الذهان وفقاً للطب النفسي أنه حالة من الاضطراب النفسي الناجم عن خلل يضرب إحدى نقاط الإدراك الحسي والتفكير، مما يجعل المصاب معرضاً لنوبات من الهلوسة والأوهام المنفصلة عن الواقع، مما يؤدي إلى صعوبات في القدرة على التفاعل الاجتماعي والخلل في إنجاز المهام اليومية.
لطالما ارتبطت الأوهام والهلوسات بقيم ثقافية سائدة على مر التاريخ، مثل التعمق في الدين أو الموجات الكهرومغناطيسية التي يبثها الراديو، إضافة إلى الخوف من المراقبة الأمنية، واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة ضمن الأسباب المحتملة للإصابة بمرض الذهان.
كما يشير خبراء التكنولوجيا إلى العلاقة الوثيقة بين تطبيقات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وبثّ الهلوسات لدى المستخدم، فهي إلى جانب تقديمها لإجابات كثيفة غير دقيقة أو معلومات مبالغ فيها، تسبب أيضاً حالة من التشتت الذهني، وعلى الرغم من محاولات تصحيح مسار معلوماته لتشابه دقة البشر في جمعها وصحتها إلا أن الأبحاث قد أثبتت استحالة استئصال تلك العادة من تطبيقات الدردشة الآلية، مما يعزز من مخاطر ذهان الدردشة الذكية.
فيما يحذر خبراء الصحة النفسية من تبعات الاعتماد على دردشات الذكاء الاصطناعي التي لا تقتصر على تشويش الأفكار وتشتت الدماغ عبر تزويدها بمعلومات غير صحيحة فحسب، بل تمتد لتشمل التأثير على صحتهم النفسية كخلق شعور بالتشويش والضغط النفسي.
تضخيم الأوهام
تشير عدة أبحاث حديثة إلى قيام الذكاء الاصطناعي بتغيير التصورات الفعلية الواقعية كنوع من رجع الصدى بين منصات الدردشة الآلية والفرد المصاب بالمرض النفسي، الأمر الذي يؤدي إلى دعم أي أفكار أو هلوسات قد تكون مغروسة لدى المريض، وهذا ما يعد من أخطر ملامح ذهان الدردشة الذكية.
كما يؤكد الخبراء أن آلية روبوتات الدردشة القائمة على الإجابة عن الاستفسارات بشكل لطيف وودود مهما بلغت درجة سطحيتها، يمكن أن تؤدي إلى تكوين محادثات وهمية مطوّلة، تعمّق المشكلة النفسية للمتلقي.
وفي هذا السياق، يتحدث المعالج النفسي في الهيئة الوطنية البريطانية الصحية “هاميلتون مورين” عن تحول منصات الدردشة الذكية إلى شكل من أشكال التغذية الراجعة للفرد، مما يؤدي إلى تضخيم الأوهام، بالتالي يمكن للشخص الحصول على تطمينات مستمرة على مدار الساعة دون اللجوء إلى استراتيجية واقعية تمنحه التأقلم الداخلي.
الود مقابل الحقيقة
يمكن لتأثير الدردشة الذكية أن يمتد ليسبب مشاكل كارثية حقيقية، تصل إلى فقدان الوظائف أو التشجيع على الخيانة الزوجية والطلاق أو حتى تثبيت مظلومية الأشخاص وأحقادهم، نظراً للعبه دور الصديق المتفهم الذي يقود في نهاية المطاف إلى ترسيخ الأوهام.
وفي هذا الصدد، تؤكد ورقة بحثية صادرة عن معهد أكسفورد حول تأثير الذكاء الاصطناعي، أن تلك المنصات عبر إجابتها الودودة والمتفهمة كانت أكثر امتصاصاً لتقبل فكرة المظلومية ونظريات المؤامرة.
يبقى الوعي هو سيد الموقف لتجنب الوقوع في فخ ذهان الذكاء الاصطناعي، فمهما اشتد بريق تلك الروبوتات لن تجاري مكانة المعالج النفسي والقدرة البشرية، على تفسير الواقع بشكل منطقي يؤدي إلى مخرجات حقيقية تنظم التفكير والإدراك الحسي على حدّ سواء.
اقرأ أيضاً: كيف سيتغير الإعلام في العام الجديد مع هيمنة أدوات الذكاء الاصطناعي؟

