تقيس الأسرة الحرب بما ارتفع في فاتورتها، وتقيسها الشركة بتأخر الشحنة، أما الخزانة فتراها أبواباً جديدة للإنفاق تفتح في وقت واحد. حماية منشأة، وإصلاح أنبوب، وتأمين سلعة، وطمأنة سوق. فكل ريال يذهب إلى الطوارئ يطرح سؤالاً عمّا كان ينتظره في الخطة الأصلية.
دخلت السعودية 2026 وهي تبدأ المرحلة الثالثة من رؤية 2030، أي الانتقال من إطلاق المبادرات إلى تعظيم أثرها. ثم عطلت الحرب التجارة ومسارات النفط وضغطت على الثقة والنشاط غير النفطي. لم تُلغ الرؤية، لكنها جعلت السرعة نفسها قراراً مالياً وأمنياً.
الفرملة بدأت قبل الصدمة
أقرت ميزانية 2026 إنفاقاً يبلغ 1.31 تريليون ريال وإيرادات عند 1.14 تريليون، بعجز مقدر بنحو 165 مليار ريال. وكانت الحكومة قد بدأت أصلاً إعادة جدولة بعض المشاريع أو تأخيرها وتغيير نطاقها حتى لا ترتفع كلفة البناء والاستيراد والتضخم. لذلك لا يصح رد كل مراجعة جديدة إلى الحرب.
قال وزير الاقتصاد والتخطيط في يناير إن المشروع المادي ليس الرؤية بذاته، بل وسيلة لتحقيق نتيجة. هذه العبارة تمنح الحكومة مساحة للتمييز بين مشروع يصنع إنتاجية أو وظيفة أو صادرات، وآخر يستهلك رأس المال لأن صورته أكبر من عائده. الحرب جعلت هذا التمييز أقل قابلية للتأجيل.
نفط أغلى وبراميل أقل
رأى صندوق النقد في يوليو أن ارتفاع الأسعار عوض أكثر من خسارة أحجام التصدير في الشهور الأولى، ومنح الخزانة مكسباً نفطياً. تلك ليست معادلة مضمونة. فقد قدّرت وكالة الطاقة الدولية هبوط الإمدادات السعودية في أغسطس إلى ستة ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في أكثر من ثلاثة عقود وفق تقديرها، بينما قدمت السعودية أرقاماً أعلى إلى أوبك.
ثم أصابت هجمات منشآت طاقة ومدناً جنوبية في سبتمبر، وأوقفت بعض العمليات وجرحت 73 شخصاً، قبل أن يُغلق خط الشرق والغرب مؤقتاً بعد ضربة بمسيّرات. سعر البرميل المرتفع يفيد فقط عندما يصل البرميل إلى المشتري. أما إذا تعطلت المنشأة أو ارتفع التأمين والحماية، فإن جزءاً من المكسب يعود كلفة.
الأمن ينافس المشروع لا الرؤية
كشفت أرقام الربع الأول ارتفاع الإنفاق العسكري 26 في المئة إلى 64.7 مليار ريال، بالتزامن مع عجز فصلي كبير. ولا يعني ذلك أن كل زيادة سببها الحرب، لأن العقود الدفاعية طويلة والدفع فيها متقطع. لكنه يوضح كيف يزدحم الحيز المالي حين تتقدم الحماية والإصلاح والمخزون الاستراتيجي.
المفاضلة الذكية لا تضع الدفاع في مواجهة التنويع. توطين الصيانة والطائرات المسيّرة والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد يمكن أن يخدم الأمن ورؤية 2030 معاً. أما الشراء العاجل من الخارج فيحل مشكلة اليوم، ثم يترك فاتورة الغد والاعتماد نفسه.
من يبقى في الصف الأول
تتقدم الآن المشاريع التي تحمي الطاقة والموانئ والماء والغذاء والاتصالات، وتلك المرتبطة بالتزامات زمنية مثل كأس آسيا 2027 وإكسبو 2030 وكأس العالم 2034. يليها ما يحقق دخلاً قريباً أو يجذب شريكاً خاصاً أو يقلل الواردات. أما المشروع البعيد العائد والقابل للتجزئة فسيكون أول المرشحين للتمديد أو تقليص النطاق.
هذا ترتيب تحليلي، لا قائمة حكومية منشورة. لم أعثر حتى تاريخ إعداد التقرير على جدول شامل يبين ما أُوقف بسبب الحرب وما استمر وما تغير تمويله. غياب الجدول يفتح باب الإشاعة، ويصعب على المقاول والمصرف والمورد بناء قراراتهما.
حماية المجتمع من كلفة التحول
ينصح صندوق النقد بأن تكون مساندة الصدمة مؤقتة وموجهة وشفافة، وأن تأتي من إعادة ترتيب الإنفاق. الدعم العام الطويل يبدو مريحاً، لكنه يستهلك المال الذي تحتاجه الخدمات والاستثمار. الأفضل حماية الأسر والمنشآت الأشد تضرراً بآليات محددة، مع نشر مدتها وكلفتها وموعد انتهائها.
كما أن نقل دور أكبر إلى القطاع الخاص لا يعني دفع الخطر كله إليه. المستثمر يدخل حين تكون العقود مستقرة والمعلومات متاحة والحكومة واضحة في أولوياتها. لذلك تصبح شفافية إعادة الجدولة أداة تمويل، لا مجرد واجب تواصلي.
أخيراً، تملك السعودية احتياطيات وبنية نفطية ولوجستية ساعدتها على امتصاص الصدمة، لكن طول الحرب يغيّر الحساب. المرونة ليست إنفاقاً بلا سقف، بل قدرة على حماية الضروري وتأجيل الممكن من دون هدم ما بُني.
رؤية 2030 لا تُقاس بسرعة الحفارات وحدها. في عام الحرب، قد يكون ضبط السرعة هو ما يحفظ اتجاه الطريق. والاختبار الحقيقي أن يخرج الاقتصاد أكثر تنوعاً، لا أن يصل إلى الموعد بقائمة مشاريع مرهقة وخزانة أقل قدرة على الحركة.
اقرأ أيضاً: القطاع غير النفطي أمام اختبار الحرب.. رؤية 2030 تواجه أقسى ظرف خارجي

