بقلوبٍ اعتصرها الحزن والأسى، ودعت المملكة الشاعر السعودي الكبير أحمد أبو دهمان، الذي رحل فاتحاً صفحات من الشعر العربي بأبياتٍ ناصعة الجمال وعميقة المعاني. كان أحمد أبو دهمان صوتاً صادقاً حمل نبض الوطن وروح الإنسان، وترك في عالم الأدب تراثاً خالداً لا يموت، وسُجل كأول شاعر سعودي يكتب قصيدة بالفرنسية. فقد خسر الأدب والثقافة السعودية واحداً من أبنائها الأوفياء الذين صنعوا المجد بالحب والكلمات.
من هو الراحل أحمد أبو دهمان
وُلد أحمد أبو دهمان عام 1949 في منطقة عسير في السعودية، وانتقل في شبابه إلى فرنسا حيث درس الأدب الفرنسي، وعمل مراسلاً لصحيفة “الرياض” من باريس. وقد اقتصر حضوره الروائي على رواية “الحزام”، وغالباً ما صُنف ضمن كتّب الأدب العربي المكتوب بالفرنسية.
ترعرع أحمد أبو دهمان وأكمل دراسته الابتدائية في القرية، والثانوية العامة في مدينة أبها، ثم التحق بمعهد تدريب المعلمين بالرياض، ثم رجع إلى قريته بعد تخرجه، حيث عمل معلماً مدة ثلاث سنوات.
لاحقاً أكمل تعليمه الجامعي بجامعة الملك سعود بالرياض وتخرج من قسم اللغة العربية بدرجة ممتاز، والتحق بعدها بالجامعة بوظيفة معيد في القسم نفسه. التحق بجامعة السوربون في 1979، وحصل على درجة الماجستير.
اقرأ أيضاً: من هو أشهر رسام سعودي؟
أبرز مؤلفات ومناصب الراحل أحمد أبو دهمان
رواية الحزام، رواية ألفها أحمد أبو دهمان في عام 2000 باللغة الفرنسية. وهي رواية سيرة ذاتية حول ذكريات الكاتب وحياته في القرية جنوب السعودية. ترجمت الرواية إلى 8 لغات وطبعت منها 7 طبعات. ترجمت إلى العربية على يد المؤلف، ونشرتها دار الساقي للطباعة والنشر.
في نوفمبر 2016، استضافت مكتبة الملك عبد العزيز العامة بمدينة الرياض، أبو دهمان عبر ملتقى “كتاب الشهر” لمناقشة روايته هذه. حيث ذكر بأنه يتمنى أن تتحول إلى عمل سينمائي. ومما جاء في تلك الرواية حديثه عن أسرته وأبناء قريته، قائلاً: “علمتني أمي الشعر وأبي علم أُختي العزف أُسرة تشبه الحلم”.
اعترافاً بقيمة هذه الرواية، أهدى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي في شهر يونيو 2023، ريما عبد المالك، وزيرة الثقافة الفرنسية، رواية الحزام للكاتب السعودي أحمد أبو دهمان.
كان للراحل عمود أسبوعي في جريدة الرياض السعودية، بعنوان كلام الليل. كما شغل في السابق مدير مكتب مؤسسة اليمامة الصحفية في باريس. والرئيس التنفيذي لمؤسسة الحزام للاستشارات الإعلامية، ومقرها في الرياض.

كان الشاعر الراحل يصف في مختلف مؤلفاته وكتاباته أهله وبيئته، واحتلت والدته مكانةً كبيرة في كتاباته، وهذه العبارات لاقت تداولاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، في حياة الشاعر وعند رحيله أعيد نشرها استذكاراً لكتاباته:
“كنت على يقينٍ في طفولي بأنّ أمي من أهل الجنة. فلقد كانت آخر من يأكل في البيت. و أحياناً كانت توحي لنا بأنّها تأكل وهي لا تأكل أو أنّها سبق أن أكلت. خصوصاً عندما لا يكون هناك ما يكفي من أكلٍ للجميع. كنت أعتقد أن أمّي قصيدة أبدية، قصيدة لا تكفّ عن التجدد. وفي تلك الليلة استعدت الحقيقة البديهية واكتشفتها وهي أنّ أمي إنسان كالآخرين. لمستُ قدميها. قبّلتهما. كانتا متورمتين. وأدركت بأنه لم يعد أمام أمي إلاّ حياة عادية، حياة من المرض والتعب والأحزان والشيخوخة. حياة باهتة”.
وسرد قصةً دارت بينه وبين والده بكلمات رقيقة، “كانت تعرف ما أخفيه أكثر مما أعرف! وكان أبي يواسيني ويقول: وحدهن الأمهات يفتحن الأبواب”.
وصف قريته بوصفٍ جميل قائلاً: “أحمل في داخلي، قريتي، مثل نار لا تنطفئ”. هكذا يلخص أبو دهمان في مقدمة حكايته الصغيرة، أهمية جذوره كما أهمية أسلافه. لذلك لا نجد الكثير من الحنين، بل أقله، عند هذا الرجل الذي يحمل دائماً، معه، جزءاً من طفولته التي غذتها الاساطير والوجوه كلها، وجوه بلاده، السعودية، حيث ولد في قلب القبائل.
وفاته
غيّب الموت، مساء أول أمس الأحد 14 ديسمبر، الكاتب والروائي السعودي عن 76 عاماً في مقر إقامته في باريس. وقد رثاه العديد من الشعراء والأدباء في المملكة، والصحف ومنصات مواقع التواصل.
أبرز الرثاء في حق الراحل كان من د. وفاء الرشيد عبر تغريدة على منصة “إكس” جاء فيها:
“رحم الله أحمد أبو دهمان، الكاتب الذي عاش استثنائياً ورحل في هدوءٍ موجع. خرج من سراة عبيدة لباريس حاملاً قريته وذاكرتها، فكتب رواية “الحزام” بصدقٍ عارٍ بالفرنسية ، ففهمه العالم وترجمته اللغات قبل أن نلتفت إليه كما يليق.
لم يكن فرنسياً إلا باللسان، أما الجذور فبقيت صلبة في ترابها. غفر الله له وتقبّله… والدعاء له أقلّ ما نقدّمه لمن حوّل القرية إلى أدبٍ خالد.. رحمك الله يا صديقي”.
أما مجلة المجلة فقامت بنعيه على طريقتها وفي مقتطفات من مقالها عنه بعنوان: “عن أحمد أبو دهمان الذي حمل قريته إلى العالم”.
ذكرت المجلة عن الراحل أنه كان صوت سردي اختار طريقه بعيداً من الضجيج، واشتغل على مادته الأولى بوعي طويل النفس، فكتب عملاً واحداً ترك أثراً يفوق كثرة الإنتاج. لم يكن حضوره عابراً في المشهد الثقافي العربي، رغم محدودية منجزه الروائي، إذ شكلت روايته “الحزام” لحظة فارقة في كتابة السيرة الطفولية بوصفها مادة معرفية، لا مجرد استعادة حنينيه.
لم ينفصل الصحافي فيه عن الأديب، فحافظ على توازن نادر بين المهنية الصحافية والعمق المعرفي، مما جعل حضوره الإعلامي جزءاً مكملاً لسيرته الثقافية.

