ريان الغصون، رائد أعمال ومهندس صناعي يجمع بين الفكر العملي وروح المبادرة. بخلفية هندسية دقيقة وشغف الابتكار استطاع الغصون أن يدمج بين مفاهيم الإدارة والتصميم الصناعي ليبني مشاريع ناجحة تعكس رؤية عصرية للتنمية ممزوجة بوعي المشاعر ودقة الهندسة. يؤمن ريان بأن النجاح لا يتحقق بالصدفة، بل بالتخطيط والعمل المستمر والإيمان بالفكرة حتى النهاية. حاورت أرابيسك لندن – السعودية رائد الأعمال ريان الغصون، وإليكم أبرز ما جاء في المقابلة:
عن رؤية ريان الغصون لنفسه
- هل ترى نفسك مهندساً يستخدم أدوات رائد أعمال أم رائد أعمال بعقل مهندس؟
أجاب ريان الغصون: أرى نفسي مزيجاً بين الاثنين، لكن بوعي مختلف عما كنت عليه في بداياتي. الهندسة الصناعية علّمتني كيف أفكر بالنظام، وكيف أرى الصورة الكبرى دون أن أغفل عن التفاصيل الصغيرة. لكنها أيضاً علمتني أداة أحبها كثيراً: المحاكاة. ويضيف، كنت مفتوناً بعالم المحاكاة لأنها ببساطة تتيح لك أن تعيش المستقبل قبل أن يحدث.
تتخيل نظاماً، تُدخِل له المتغيرات، وتشاهد كيف سيتصرف دون أن تخسر شيئاً حقيقياً. ومع الوقت، أدركت أن الحياة نفسها تشبه المحاكاة، كل قرار هو تجربة تحاكي سيناريو جديد.
حين دخلت عالم ريادة الأعمال، اكتشفت أنني ما زلت أمارس “المحاكاة” لكن بشكلٍ إنساني. قبل أن أطلق منتجاً، كنت أعيش مكان المستخدم، أتخيل مشاعره، وأسأل نفسي:
“كيف سيتفاعل؟ ماذا سيشعر؟ وماذا لو تغيّر هذا العنصر البسيط؟”
الهندسة منحتني عقلية تصميم الأنظمة، أما الريادة فاختبرت مدى إنسانيتها، اليوم أستخدم عقل المهندس لأبني، وقلب الريادي لألهم، فالمهندس يحاكي المستقبل بالأرقام، أما الريادي فيحاكيه بالناس، والتوازن بينهما هو ما جعلني أرى أن كل مشروع ناجح يبدأ بمحاكاة الوعي قبل محاكاة الواقع.
- لو عدت إلى أول وظيفة لك، ما النصيحة التي ستعطيها لنفسك؟
كنت سأقول لنفسي: “لا تقلق من موضوع المال، فهو ليس كل شيء.” في تلك المرحلة من العمر، لم أكن أدرك أن المال مجرد نتيجة، لا غاية. الأهم هو اكتشاف الميول الحقيقية، لا الالتصاق فقط بتخصصك الجامعي.
الهندسة كانت بوابتي، لكنها لم تكن هويتي الكاملة، بل جزءاً من رحلة تكوين الذات. كنت سأقول لذلك الشاب: “دع الفضول يقودك.”
جرّب، غيّر، وتساءل:
ما الذي يجعلك تستيقظ بحماس؟ ما الذي يجعلك تنسى الوقت؟
هذه الأسئلة أهم من الراتب الأول وأكبر من عنوان الوظيفة. العمل في بداياتك ليس لتبني سيرة ذاتية، بل لتبني وعياً.
المال سيأتي لاحقاً، لكن شغفك هو ما سيبقى. ولو ركزت وقتها على تطوير المهارات الناعمة (Soft Skills) كالتواصل، وفهم الآخرين، والتعاطف لكنت اختصرت سنوات من البحث عن التوازن. لأنك لا تعمل لتعيش فقط، بل لتتعرف أكثر على من أنت، وما الذي خُلقت لتقدّمه.
- عند فشل مشروع في طور النمو، من يخفق أولًا: الفكرة أم الفريق أم السوق؟
من تجربتي، الفكرة لا تموت بسهولة، والسوق يمكن أن يُعاد استهدافه، لكن الفريق… هو النبض الذي إن توقف، توقف كل شيء.
اليوم فريقي هو نفسه الذي نفّذ معي كل المشاريع السابقة: “تشارما، فهمتك، وملكة”.
تكوّن الفريق بطريقة تشبه قصة أبطال في فيلم سينمائي؛ كل واحد منهم جاء من طريق مختلف لكن جمعنا إيمان واحد. أحدهم تعرّفت عليه لأنه كان متأثرًا بالقضية نفسها وآمن بالرؤية قبل أن يسمع تفاصيلها، وآخر التقيته أثناء محاضرة ألقيتها تطوعاً، وثالث تواصل معي شخصياً وعرض العمل معي مجاناً لأنه صدّق الفكرة.
كل شخص في الفريق يحمل قصة تجعلني أتيقن أن هذا ليس مجرد عمل، بل قدر مشترك. لهذا أقول دائماً:
من أعظم النعم التي يمنحها الله لرائد الأعمال ليست التمويل ولا الشهرة، بل أن يرزقه فريقاً قوياً ومتناغماً، يجتمع على نية صادقة قبل أن يجتمع على هدف.
في كل مشروع مررنا فيه بمرحلة صعبة، لم يكن ما أنقذنا هو الخطة، بل الثقة. لهذا أؤمن أن القيادة ليست إدارة مشروع، بل رعاية روح الفريق التي تُعيد إشعال الحلم كلما خبا.
عن الريادة في السعودية والابتكار.. أجاب الغصون
- كيف تصف البيئة الريادية في السعودية؟ هل تميل للإبداع أم للحذر؟
البيئة الريادية في السعودية اليوم تعيش مرحلة نضج غير مسبوقة. في البداية كانت يغلب عليها الحذر، الكل يراقب ويخشى الفشل، لكن الآن المشهد تغيّر تماماً. ويقول بدأنا من فكرة “نجرّب”، والآن نعيش ثقافة “نُبدع”.
شاركت في برامج ومسرّعات أعمال، ورأيت كيف تطوّر المشهد من مجرد مبادرات لتجربة الأفكار إلى منظومة متكاملة تدعم الابتكار بجدية. اليوم لم يعد الريادي السعودي يسأل “هل أستطيع؟” بل يسأل “كيف أستطيع بطريقة مختلفة؟”، هذه النقلة الذهنية جعلت الجرأة جزءاً من الثقافة، والفشل مجرد خطوة في طريق النضوج.
- باعتبارك ترتكز على الابتكار، ما الذي يغيّر طريقة تفكير الناس؟
الابتكار الحقيقي لا يبدأ من التقنية، بل من الإنسان. في “تشارما” لم أكن أبحث عن ميزة تُدهش الناس، بل عن تجربة تُعيدهم لجوهر التواصل. كنت أريد للتقنية أن تصغي للإنسان لا أن تفرض عليه إيقاعها، الابتكار بالنسبة لي هو حين تُستخدم التكنولوجيا لتذكّر الإنسان بما نسيه عن نفسه. ولهذا السبب أعدت تسمية المشروع من “تشارما” إلى ”أنت“، لأنني أدركت أن المعنى الحقيقي لا يكمن في المنصة، بل في الإنسان ذاته.
أردت أن تصل الرسالة بسرعة ووضوح: كن أنت، حين تتحول التقنية إلى مرآة للذات، عندها فقط يمكننا القول إن الابتكار بدأ من المكان الصحيح.
- هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أسرع من الإنسان في الفهم والمواكبة؟
في التحليل نعم، لكنه في الفهم لا يزال بعيداً جداً، الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل البيانات، لكنه لا يملك ما يجعل الإنسان فريداً: النية والمعنى. أنا لا أراه مجرد أداة، بل مرآة لوعي الإنسان يعكس ما نضعه فيه من نية ووعي، ومن هنا جاءت عبارتي التي أعتبرها خلاصة فلسفتي: “أريد من الذكاء الاصطناعي أن يصنع فني، لأعلّمه كيف يصنع ما لم يُولد في خياله بعد.”
الآلة تتعلم من الإنسان، والإنسان يتطور من خلالها، وحين نصل إلى مرحلة نعلّم فيها التقنية كيف ”تتخيل“، سنكون قد دمجنا الوعي بالتكنولوجيا في أرقى صوره.
كيف انعكس اطلاع ريان الغصون المالي على مشاريعه
- هل التشريعات في السعودية والعالم العربي تواكب التحولات التقنية المالية؟
عندما تتطابق سرعة التقنية مع حكمة الأقدار الإلهية، يحدث التوازن الذي لا يمكن لأي خطة أن تصنعه وحدها. لهذا أرى أن المملكة لا تسابق الزمن فقط، بل تسير بتوقيتٍ يتناغم مع رؤية أعمق، رؤية جعلت التشريعات جزءاً من مسار التطور الطبيعي للوعي التقني في المجتمع.
باختصار، التقنية تسير بسرعة، لكن أقدار الله هي من تضمن أن هذه السرعة تمضي في الاتجاه الصحيح فكل فكرة عظيمة، وكل مشروع يولد في اللحظة المناسبة، ليس مصادفة، بل توقيتٌ منسجم مع ”تقويم الله“ الذي يعرف متى تنضج الأرض لتثمر.
- ما انعكاس اطلاعك المالي على مشاريعك “تشارما” و”فهمتك” و”ملكة”؟
“تشارما” علّمتني الإنسان، و“فهمتك” علّمتني السوق، و“ملكة” هي المزيج بينهما.
في “تشارما” كنت أعمل من القلب بلا نموذج مالي واضح، وفي “فهمتك” تعلّمت الأرقام وأن الفكرة لا تعيش من المعنى فقط بل من الاستدامة. أما “ملكة”، فهي التوازن بين الاثنين (مشروع إنساني بعمق، وتجاري بذكاء).
هنا فهمت أن الريادة لا تفصل بين الوعي والربحية، بل تدمجهما في هدف واحد.
انعكاس دراسته لأنماط الشخصية على عمله
- ما أنماط الشخصيات التي واجهتك غالباً؟
لأكثر من عشرة أعوام وأنا أراقب الناس وردود أفعالهم.في إحدى جلسات “نادي أنماط الشخصية”، جمعت 16 نمطاً مختلفاً وطرحت سؤالاً بسيطاً:
“ماذا تفعل حين تشعر أنك غير مسموع؟”
كانت الردود أكثر صدقًا مما توقعت. من تلك اللحظة فهمت أن الإنسان ليس ما يقوله فقط، بل كيف يتفاعل عندما يتألم، وفهمت أن القوالب موجودة حتى لو كانت عميقة تحت سطح الوعي. هذه المعرفة غيّرت رؤيتي للناس؛ لم أعد أراهم كأدوار وظيفية بل كطبقات من المشاعر تحتاج بيئة تزدهر فيها.
- عندما كنت في “كريم” واحتككت بالشارع، ما الذي أضافه لك ذلك؟
كانت تجربة “كريم” من أكثر المراحل تأثيرًا في حياتي، كنت أقدّم للركاب اختبار الشخصية مقابل خصم رمزي على الرحلة، لأرى مدى اهتمام الناس بفهم أنفسهم. المفاجأة أن كثيرين رفضوا الخصم وأعطوني إكرامية لأنهم اكتشفوا شيئاً جديداً عن ذواتهم.
كنت أشغّل أغاني الأطفال للعائلات ليشعروا بالفرح، وأراقب تفاعلهم، حينها أدركت أن رسالتي ليست في التقنية أو الإدارة، بل في تمكين الناس من فهم أنفسهم. تلك اللحظات، وحديث الركاب، وتشجيعهم لي على الاستمرار، كانت الشرارة الأولى التي أنجبت “تشارما”.
- عقدت أكثر من 150 لقاءً في “نادي أنماط الشخصية”، ما المميز أو المشترك بينها؟
كل لقاء في النادي كان رحلة وعي جماعية. منذ أكثر من عشر سنوات والناس يأتون بنفس الحماس: العطش للفهم، وللحديث عن أنفسهم دون أحكام مسبقة، ومن لا يحب الحديث عن نفسه؟ ومن لا يملك مواضيع لا نهائية عنها؟
لكن المشكلة أن الناس لا يجدون المساحة الآمنة لذلك، هنا جاء دور “نادي أنماط الشخصية” كطريق ممهد لهذا الفهم.
قدّم لغة جديدة يتحدث بها الناس عن أنفسهم بصدق وبدون خوف. أتذكر لقاء بعنوان “كيف يتعامل كل شخص مع الحب؟”، خرج منه الجميع ليس بإجابات بل بوعي أعمق. وهذا هو جوهر النادي: أن يتحول العلم إلى وعي، والوعي إلى حوار، والحوار إلى شفاء.
- ما سر انجذاب المجتمع السعودي والعربي لمعرفة الذات؟
الناس بطبيعتهم يبحثون عن من يفهمهم، في ثقافتنا لم يكن الحديث عن الذات أمراً شائعاً، فجاء هذا الوعي الجديد ليمنحهم لغة تصف مشاعرهم دون خوف. الفهم أصبح فضيلة، لا أنانية والاختلاف صار يُحتفى به، لا يُعتذر عنه.
- هل هناك نمط شخصية مشترك لجيل Z؟
جيل Z مختلف في طاقته ووعيه، هو جيل لا يرى نفسه في التصنيفات، بل في التحوّل ذاته. لا يقول “هذا أنا”، بل “هذا ما أعيشه الآن.”
من خلال احتكاكي بالشباب في “تشارما” و“ملكة”، لاحظت أنهم لا يخافون من التبدّل، بل يعتبرونه جزءاً من طبيعتهم، وهو أكثر جيل يدرك أن الهوية ليست صندوقاً نغلقه، بل مساحة نتحرك داخلها. أحياناً يكون حالماً، ثم يتحول إلى واقعي في لحظة، وفي كليهما يظل صادقاً مع نفسه.
جيل Z يرى نفسه كمجموعة احتمالات لا كنسخة واحدة، ويقود الإنسانية نحو فهم أعمق للذات، جيل يعيش الحقيقة كرحلة مستمرة من الاكتشاف، لا ينتظر أحداً ليخبره من هو… لأنه ببساطة يعيش في كل لحظة نسخة جديدة من نفسه.
منصة ملكة .. والطموح الذي تحمله
- هل يمكن أن تستهدف العلاقات الإنسانية (كالزواج) منحى آخر من خلال “ملكة”؟
تطبيق ملكة ليست تطبيق زواج تقليدي، بل مشروع لإعادة تعريف العلاقة بين شخصين. صُمّم ليجمع بين دفء المشاعر وحكمة الاختيار، هي مساحة تبدأ من الفهم لا من الصورة، من النية لا من المظهر.
أردنا تجربة تحترم الخصوصية وتوازن بين الجدية والعفوية، كل ما في التطبيق من التوثيق عبر “نفاذ” إلى الاستشارات الأسرية بُني على فكرة واحدة:
أن يكون الزواج رحلة وعي، لا صفقة اجتماعية.
- في حال وجود دعم حكومي لـ”ملكة”، ما الذي يمكن أن يضيفه للمجتمع والمنصة؟
سيضيف مصداقية وثقة أكبر، لكن الأهم هو الاعتراف بالمشروع كمبادرة مجتمعية تخدم جودة الحياة.
الزواج الواعي يعني مجتمعاً أكثر استقراراً، وهذا يتقاطع مع رؤية السعودية 2030 في تمكين الإنسان كأساس لكل تطور.
- ما السؤال الذي تتمنى أن يُسألك ولا يُسأل عادة؟
ربما هو:
“ما الذي كنت تحاول أن تُثبته لروحك قبل أن تُثبته للعالم؟”
كنت أريد أن أرى نفسي أولًا قبل أن يراني الآخرون، كنت أبحث عن لحظة أشعر فيها أن ما أفعله ليس مجرد مشروع، بل امتداد لروحي. لم أكن أريد أن أثبت أنني ”أنجح“، بل أنني أعيش بصدق.
في كل تجربة مررت بها، من ”كريم“ إلى ”تشارما” إلى ”فهمتك“ وصولًا إلى ”ملكة“، لم أكن أختبر السوق بقدر ما كنت أختبر نفسي.
كنت أريد أن أعرف: هل أستطيع أن أبقى صادقاً مع رؤيتي حتى عندما تتغير الظروف؟ هل يمكن للنية أن تبقى نقية في عالمٍ يقيس كل شيء بالأرقام؟
أشعر بالإنجاز حين يحدث هذا التوافق، حين أنظر في عيني شخص يفهم ما أقصده دون أن أشرح، حين تمتلئ عيناه بالكلمات لكنه لا يستطيع أن ينطقها. تلك اللحظة التي يصمت فيها الوعي ويتكلم الشعور، هي بالنسبة لي أسمى لحظات النجاح.
لأنني في النهاية لا أحاول أن أثبت شيئاً للعالم، بل أُذكّر نفسي أنني ما زلت أسير في الطريق الذي خُلقت له.
ختاماً
ريان الغصون يرى في نفسه أكثر من مجرد رائد أعمال، فهو يعتبر أنّه انتقل من محاكاة الهندسة الصناعية إلى محاكاة الإنسان في التقنية، ومن رحلة “كريم” الواقعية إلى فلسفة “ملكة” العاطفية، تتقاطع في قصته العلوم بالعواطف، والمنطق بالإيمان.
قد تذكّر رحلته البعض منّا بأنّ أعظم المشاريع ليست تلك التي تُطلق في المتاجر الرقمية، بل التي تُطلق داخل الإنسان أولاً، وأن الريادة، في جوهرها، ليست سباقاً نحو النجاح… بل عودة مستمرة نحو الذات.
اقرأ أيضاً: سديم العيسى.. مسيرة مهنية بين التصميم الداخلي وريادة الأعمال في السعودية

