أغلق مؤشر السوق السعودي «تاسي TASI» في 9 أغسطس على ارتفاع محدود قدره 0.1%، بينما كانت الأسواق الخليجية تنتظر وضوحاً أكبر بشأن تفاهم محتمل بين إيران وعُمان حول حركة السفن في مضيق هرمز. المشهد يختصر خمسة أشهر من التداول تحت تأثير الحرب. السوق لا ينهار مع كل خبر عسكري ولا يرتفع مع كل زيادة في سعر النفط، لكنه أصبح يعيد تسعير الشركات مع كل إشارة إلى فتح المضيق أو استمرار إغلاقه، لأن الحدث يغير في الوقت نفسه إيرادات الطاقة وكلفة الشحن والتضخم وتوقعات الفائدة ومخاطر المنشآت السعودية.
مر عبر هرمز قبل إغلاقه الفعلي بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. هذا يجعل الممر عاملاً مباشراً في سعر البرميل، لكنه بالنسبة إلى المستثمر السعودي أكثر من مؤشر للطاقة. استمرار التعطيل يرفع أسعار التأمين والنقل ويضغط على سلاسل التوريد، بينما يزيد سعر النفط إيرادات المنتجين وقد يحسن تدفقات الدولة. النتيجة أن الصدمة نفسها تفيد بعض الشركات وتضر أخرى، وتدفع المستثمر إلى النظر في بنية أرباح كل قطاع بدلاً من اتخاذ قرار واحد تجاه السوق كلها.
سوق الأسهم تحت ضغط هرمز
ظهر هذا التباين منذ الأيام الأولى للحرب. في 1 مارس أغلق المؤشر السعودي منخفضاً 2.2% بعدما قلص خسارة وصلت في بداية الجلسة إلى 4.6%. ثم أنهى مارس مرتفعاً 5.1%، متفوقاً على أسواق إقليمية تضررت بصورة أكبر. وفي أواخر الشهر ارتفع النفط فوق 110 دولارات للبرميل في بعض الجلسات بينما بقيت تحركات «تاسي» محدودة. هذه الأرقام تمنع افتراض علاقة بسيطة تقول إن ارتفاع النفط يرفع السوق السعودية تلقائياً أو أن التوتر الإقليمي يؤدي بالضرورة إلى موجة بيع طويلة.
تركيبة السوق تفسر جزءاً من ذلك. «أرامكو السعودية» تستفيد مالياً من ارتفاع أسعار الخام عندما تستطيع الاستمرار في الإنتاج والتصدير، لكن البنوك وشركات التجزئة والعقار والطيران قد تواجه كلفة أعلى أو تباطؤاً في الطلب إذا انتقلت صدمة الطاقة إلى التضخم وأسعار الفائدة. شركات البتروكيماويات تستفيد من بعض مزايا اللقيم لكنها تتأثر في المقابل بالطلب العالمي وكلفة الشحن وتعطل الممرات. لذلك ينتقل المستثمر من سؤال سعر النفط إلى سؤال قدرة الشركة على تحويل السعر إلى هامش ربح.
نتائج «أرامكو» للربع الثاني قدمت مثالاً واضحاً. ارتفع صافي الربح 44% على أساس سنوي إلى 32.69 مليار دولار، مدفوعاً بأسعار أعلى وقدرة الشركة على إعادة توجيه جزء من صادراتها. قال الرئيس التنفيذي أمين الناصر إن الحرب أخرجت من السوق العالمية أكثر من 2.6 مليار برميل منذ فبراير، وإن تعويض المخزونات قد يستغرق نحو 18 شهراً حتى لو عاد التدفق عبر هرمز. بالنسبة إلى حامل سهم «أرامكو»، هذه البيئة ترفع الإيراد المحتمل، لكنها تزيد أيضاً مخاطر التشغيل والمنشآت والمسارات البديلة.
المملكة تملك خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل الخام إلى ينبع على البحر الأحمر، ما يخفف الاعتماد على هرمز. غير أن الأحداث الأخيرة نقلت الخطر إلى الجهة الأخرى أيضاً، مع هجمات حوثية على منشآت وموانئ وسفن في البحر الأحمر، وآخرها حريق في مصفاة جازان في 9 أغسطس بعد هجوم بمسيّرة قالت الجماعة إنها نفذته. امتلاك مسار بديل يمنح السعودية مرونة مهمة، لكنه لا يلغي الخطر إذا أصبحت الممرات الشرقية والغربية معاً عرضة للضغط.
لهذا أصبحت أخبار المفاوضات نفسها جزءاً من شاشة التداول. عندما ارتفعت الآمال في اتفاق أميركي إيراني مطلع أغسطس صعدت معظم أسواق الخليج، وارتفع «تاسي» 0.4% في جلسة 4 أغسطس، بينما هبط النفط. وعندما عاد الغموض في نهاية الأسبوع ارتفع خام برنت إلى 83.55 دولاراً للبرميل وبقي المؤشر السعودي شبه مستقر. المستثمر لا يتداول على إعلان سياسي مجرد، بل يحاول تقدير هل ستمر الناقلات فعلاً، وهل تنخفض أقساط التأمين، وهل تتراجع كلفة الواردات، وهل سيستمر سعر النفط في مستوى يدعم الإيرادات من دون أن يرفع التضخم بشدة.
من النفط إلى تكلفة رأس المال
أكبر قناة تنتقل عبرها أزمة هرمز إلى الشركات غير النفطية هي التضخم. ارتفاع الطاقة والشحن يرفع كلفة الاستيراد والإنتاج، ويصل جزء منه إلى المستهلك. إذا استمر الضغط، تصبح البنوك المركزية أقل قدرة على خفض الفائدة حتى عندما يضعف النمو. والريال السعودي مرتبط بالدولار، لذلك تتحرك بيئة الفائدة المحلية بدرجة كبيرة مع السياسة النقدية الأميركية. المستثمر السعودي أصبح يتابع المفاوضات في الخليج وبيانات التضخم الأميركية في الأسبوع نفسه لأن الحدثين يمكن أن يغيرا تكلفة التمويل وتقييم الأسهم.
ارتفاع الفائدة يضغط عادة على الشركات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل التوسع، خصوصاً في قطاعات العقار والمرافق والمشاريع طويلة الأجل. البنوك قد تستفيد في بعض المراحل من هوامش الفائدة، لكنها تتأثر إذا تباطأ الائتمان أو ارتفعت مخاطر العملاء. لذلك قد ترى السوق في خبر فتح هرمز سبباً لشراء سهم مصرفي أو شركة استهلاكية حتى لو أدى الخبر نفسه إلى انخفاض النفط وسهم منتج للطاقة.
هناك قناة ثانية تتعلق بالموازنة والاستثمار الحكومي. ارتفاع النفط يدعم إيرادات الدولة، لكن الحرب ترفع في الوقت نفسه الإنفاق الأمني وكلفة بعض المشاريع والواردات. رؤية 2030 تعتمد على استثمارات كبيرة في البنية التحتية والسياحة والصناعة، وهي قطاعات تحتاج إلى استقرار في التمويل والمواد والشحن. المستثمر يراقب قدرة الحكومة على الحفاظ على الإنفاق المخطط إذا طال أمد الحرب، وليس سعر البرميل في جلسة واحدة.
القناة الثالثة هي الأرباح التشغيلية المباشرة. شركة تستورد معدات من آسيا عبر الخليج تواجه تأخيراً وتأميناً أعلى. شركة طيران تتأثر بالوقود والمسارات الجوية. شركة تعدين مثل «معادن» قد تستفيد من أسعار السلع وتنوع الأسواق، وهو ما ساعد سهمها على الارتفاع 1.9% في جلسة 9 أغسطس ودعم المؤشر. كلما طال الاضطراب، تصبح فروق التعرض الجغرافي والعقود اللوجستية والتحوط المالي عوامل أكثر أهمية في اختيار الأسهم.
أصبح العامل الأجنبي أهم منذ 1 فبراير 2026، عندما فُتح السوق السعودي لجميع فئات المستثمرين الأجانب للاستثمار المباشر من دون اشتراط التأهل السابق. بلغ إجمالي قيمة ملكية الأجانب في السوق نحو 437.87 مليار ريال بنهاية يوليو. هذا الانفتاح يدعم عمق السوق على المدى الطويل، لكنه يعني أيضاً أن جزءاً أكبر من التداول يتأثر بقرارات محافظ عالمية تقارن السعودية بأسواق وأسعار فائدة ومخاطر جيوسياسية في مناطق أخرى.
المستثمر الدولي يستطيع خفض انكشافه الإقليمي بسرعة عندما ترتفع علاوة المخاطر، وقد يعود بالسرعة نفسها إذا ظهرت تسوية. هذا يزيد حساسية الأسعار للأخبار العالمية، لكنه لا يعني أن الأموال الأجنبية عامل عدم استقرار دائماً. وجود قاعدة مستثمرين أوسع قد يزيد السيولة ويقلل اعتماد السوق على فئة واحدة. الاختبار هو ما إذا كانت التدفقات تصبح أكثر استقراراً مع مرور الوقت أم تبقى شديدة الارتباط بالأحداث قصيرة الأجل.
القرار بعد خمسة أشهر
تجربة الحرب منذ فبراير عدلت طريقة قراءة المستثمر للمخاطر. في البداية كان السؤال عن حجم الضربة واحتمال اتساع الحرب. بعد أشهر أصبح التركيز على قدرة الشركات والدولة على العمل داخل بيئة تعطلت فيها ممرات رئيسية. قدرة «أرامكو» على إعادة توجيه الشحنات، وقدرة الموانئ الغربية على الاستيعاب، واستمرار البنوك في التمويل، وحجم الضرر الفعلي في المنشآت أصبحت معلومات أهم من عدد العناوين العسكرية.
هناك فرق بين تقلب السعر والخطر الدائم. إذا أعيد فتح هرمز وتراجعت أقساط التأمين وعادت الناقلات إلى مساراتها المعتادة، يمكن أن تنخفض علاوة المخاطر بسرعة حتى لو بقي التوتر السياسي. أما إذا بقي المضيق يعمل جزئياً أو بشروط متغيرة، فستبقى الشركات تسعّر التأخير والتأمين والمخزون الإضافي في تكاليفها، ويصبح الأثر الجيوسياسي جزءاً من الأرباح الفصلية لا حدثاً مؤقتاً.
المفاوضات بين إيران وعُمان حول ممرات جديدة لا تكفي وحدها لإنهاء هذا الأثر. تقارير 9 أغسطس قالت إن طهران اعتبرت الاتفاق قريباً من مرحلته النهائية، لكنها ربطت إعادة الفتح الكامل بشروط أميركية أخرى. كما بقي الخلاف على الرسوم وطبيعة السفن المسموح لها بالمرور. بالنسبة إلى السوق، علامة التحسن الحقيقية ليست التصريح السياسي، بل ارتفاع عدد السفن العابرة وانخفاض التأمين وعودة جداول الشحن بصورة مستقرة.
المستثمر السعودي يواجه مفارقة عملية. ارتفاع النفط الذي تسببه الأزمة قد يحسن أرباح «أرامكو» وبعض الإيرادات الحكومية، لكنه إذا استمر بسبب حصار طويل يمكن أن يضغط على بقية الاقتصاد العالمي ويخفض الطلب ويزيد التضخم. لذلك يصبح المستوى المعتدل والمستقر أكثر فائدة للسوق الواسعة من قفزة حادة مرتبطة بخطر عسكري. هذا يفسر لماذا لم تتعامل «تداول» مع كل ارتفاع في النفط بوصفه خبراً إيجابياً خالصاً.
تضاف إلى ذلك مخاطر البحر الأحمر. هجوم جازان الأخير يذكر المستثمر بأن تخفيف أزمة هرمز لا يغلق الملف إذا بقيت خطوط التصدير الغربية تحت تهديد الحوثيين. السعودية قادرة على توزيع صادراتها وتملك بنية تحتية واسعة، لكن حماية المسارين في وقت واحد ترفع تكلفة الأمن والتأمين. الشركات المرتبطة بالموانئ والنقل والطاقة ستظل تحت المراقبة حتى يتراجع الخطر في الجبهتين.
القرار الاستثماري في هذه البيئة لا يحتاج إلى توقع نتيجة الحرب بدقة. الأكثر فائدة هو قياس قدرة الشركة على تحمل السيناريوهات المختلفة. حجم الدين، السيولة، اعتمادها على الاستيراد، مسارات التصدير، مرونة التسعير، وحساسية أرباحها للفائدة والنفط أصبحت عناصر لتقييم الخطر الجيوسياسي نفسه. بذلك انتقلت الأزمة من نشرات السياسة إلى نموذج تقييم السهم.
سوق الأسهم السعودي لم يتوقف عند مضيق هرمز، لكنه أصبح يسعره يومياً. صمود المؤشر في بعض الشهور لا يعني أن المخاطر اختفت، كما أن الهبوط في جلسة لا يعني خروج المستثمرين من المملكة. ما تغير هو أن المستثمر صار يحتاج إلى قراءة شركة وشبكة إمداد ومسار نفط ومفاوضات سياسية في قرار واحد. ستنخفض هذه الكلفة المالية عندما تعود الملاحة الطبيعية، وحتى ذلك الوقت ستبقى أخبار المضيق جزءاً من أساسيات السوق.
اقرأ أيضاً: هرمز والنفط: كيف تقرأ السعودية مخاطر الملاحة وأسعار الطاقة؟

