تتجه السعودية نحو وضع إطار وطني شامل لتنظيم الخدمات الصحية للأفراد المصابين باضطراب طيف التوحد. وتسترشد هذه المبادرة بسياسة جديدة طرحها المجلس الصحي السعودي، وهي متاحة حالياً للاستشارة العامة قبل اعتمادها النهائي. وتركز السياسة على تعزيز الكشف المبكر، وتوحيد مسارات التشخيص والعلاج، وضمان استمرارية الرعاية من الطفولة إلى البلوغ. وتعكس هذه الخطوة التزام المملكة بتحسين جودة الخدمات الصحية ونوعية حياة المستفيدين وأسرهم، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030.
التدخل المبكر.. 20 ساعة كحد أدنى أسبوعياً لمرضى التوحد
تعطي السياسة المقترحة الأولوية للتدخل المبكر، وتلزم المؤسسات الصحية بتسجيل الأطفال دون سن السادسة المصابين باضطراب طيف التوحد في برامج علاجية مكثفة. ويجب أن توفر هذه البرامج 20 ساعة على الأقل من التدخل أسبوعياً، استناداً إلى تحليل السلوك التطبيقي أو غيره من البرامج السلوكية المعتمدة لمدة لا تقل عن سنتين أو حتى بلوغ الطفل سن السادسة. كما يستند هذا النهج إلى أدلة علمية تؤكد أن السنوات الأولى من عمر الطفل حاسمة لتنمية مهاراته المعرفية والسلوكية والاجتماعية، مما يزيد من احتمالية استقلاليته واندماجه الاجتماعي في المستقبل.
تتجاوز هذه السياسة مجرد تقديم خدمات العلاج، إذ تتطلب وضع خطة علاج فردية لكل مستفيد. ويجب تحديث هذه الخطط دورياً كل ثلاثة أشهر على الأقل بمشاركة فعّالة من الأسرة في كل مرحلة من مراحل المتابعة. بالإضافة إلى ذلك، يطلب من مقدمي الخدمات تنظيم دورات تدريبية أسبوعية للآباء لمدة 45 دقيقة على الأقل لتمكين الأسر من تطبيق أساليب العلاج في المنزل وتعزيز دورهم كشركاء أساسيين في عملية إعادة التأهيل.
اقرأ أيضاً: حقن الإكسوزوم بين الآمال الطبية والتحفظات التنظيمية.. لماذا تتدخل الجهات الصحية؟
خدمات علاج شاملة ومخصصة حسب الحاجة في السعودية
تتطلب هذه السياسة توفير علاج النطق والعلاج الوظيفي، بحد أدنى جلستين أسبوعياً لكل منهما، إلى جانب خدمات تعديل السلوك والتدخلات التأهيلية. كما تسمح بتقديم بعض الخدمات عن بعد أو من خلال الرعاية المنزلية، وفقاً للإرشادات المعتمدة.
كما يولى اهتمام خاص للحالات التي تنطوي على اضطرابات سلوكية حادة، مثل إيذاء النفس، والعدوانية تجاه الآخرين، وفرط النشاط، أو نوبات الغضب الشديدة، وذلك من خلال توفير برامج تأهيل طبي متخصصة مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كل فرد.
تمتد الخدمات لما بعد مرحلة الطفولة، إذ تنص هذه السياسة على استمرارية برامج التأهيل للأطفال من سن 6 إلى 18 عاماً. وتشمل هذه البرامج برامج علاجية منظمة تتضمن جلسات لتعديل السلوك واكتساب المهارات، بالإضافة إلى علاج النطق والعلاج الوظيفي، مع تقييمات دورية للتقدم المحرز باستخدام معايير علمية معتمدة.
كما تؤكد السياسة على أهمية الإدماج التعليمي من خلال إحالة المستفيدين إلى برامج وزارة التربية والتعليم والتدريب، وربطهم بالخدمات الاجتماعية والتأهيلية التي تقدمها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، مما يعزز مشاركتهم في المجتمع.
الانتقال المنظم إلى خدمات البالغين
من السمات الرئيسية للسياسة الجديدة اعتماد نموذج “الانتقال المنظم للرعاية”. يضمن هذا انتقال الأفراد بسلاسة من خدمات الأطفال إلى خدمات البالغين بعد سن الثامنة عشرة، دون أي انقطاع في علاجهم أو تأهيلهم. تشمل رعاية البالغين تقييم المشكلات السلوكية والطبية المصاحبة، واستمرار علاج النطق والعلاج الوظيفي وتعديل السلوك حسب الحاجة. كما تشمل برامج التأهيل المهني بدءاً من سن الرابعة عشرة لدعم الاستقلالية وفرص العمل المستقبلية.
تلزم هذه السياسة جميع المرافق الصحية العامة والخاصة وغير الربحية بتوفير خدمات التشخيص المبكر والكشف عن الحالات. ويتطلب ذلك استخدام فرق متعددة التخصصات لإجراء التقييمات وفقًا لمعايير التصنيف الدولي للأمراض (ICD).
تشمل هذه الإجراءات فحوصات طبية متنوعة مثل اختبار استجابة جذع الدماغ السمعية (ABR) واختبار المصفوفة الصبغية الدقيقة (CMA) لتحديد التغيرات الجينية المرتبطة بالمرض، بالإضافة إلى جلسات استشارية عائلية لشرح نتائج التشخيص ووضع خطط رعاية مناسبة.
ولضمان نجاح تطبيق هذه السياسة، كُلِّف المجلس الصحي السعودي بمتابعة تنفيذها وقياس مؤشرات الأداء بعد اعتمادها، بالإضافة إلى إجراء تقييم شامل لأثرها بعد ثلاث سنوات. كما تعتمد السياسة على قياس مدى التزام المنشآت الصحية بتوفير فرق متعددة التخصصات وخدمات التشخيص والعلاج والتأهيل، بما يسهم في توحيد جودة الخدمات المقدمة للمصابين باضطراب طيف التوحد في مختلف مناطق المملكة.
خطوة نحو تحسين جودة الحياة
تمثل السياسة الوطنية الجديدة تحولاً مهماً في طريقة تقديم خدمات التوحد في المملكة، إذ تنتقل من تقديم خدمات متفرقة إلى منظومة متكاملة تبدأ بالكشف المبكر، مروراً بالتدخل العلاجي والتأهيل، وصولاً إلى دعم الاستقلالية والاندماج في مرحلة البلوغ.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في رفع كفاءة الخدمات الصحية، وتخفيف الأعباء عن الأسر، وتعزيز فرص الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد في الحصول على رعاية مستدامة تواكب أفضل الممارسات العالمية وتنسجم مع أهداف رؤية السعودية 2030.

