هذه المرة الأرقام تكلمت حول حجم الإقبال على السينما في السعودية خلال عيد الفطر بعد الفترة الهادئة المعتادة التي عاشها القطاع خلال شهر رمضان. غير أن ما لفت الانتباه هذا العام هو سرعة التعافي وقوة الإقبال، مما يعكس اشتياقاً واضحاً لدور العرض، وتأكيداً على أهمية السينما كخيار ترفيهي في السعودية.
فخلال الأسبوع الأول من العيد، سجل شباك التذاكر إيرادات بلغت 38.6 مليون ريال، من خلال بيع نحو 782 ألف تذكرة، مع عرض 29 فيلماً فقط. هذه الأرقام تبدو أكثر دلالة عند مقارنتها بالفترة التي سبقتها مباشرة، إذ لم تتجاوز الإيرادات في أحد أسابيع ما قبل رمضان 12 مليون ريال، مع 318 ألف تذكرة و65 فيلماً معروضاً، مما يعني أن الإيرادات تضاعفت أكثر من ثلاث مرات رغم انخفاض عدد الأفلام إلى النصف تقريباً. هذا التباين يطرح فكرة مهمة: ليس عدد الأفلام هو العامل الحاسم دائماً، بل قوة المحتوى وتوقيت عرضه.
صدارة محلية وتنوع في السوق
أما بالنسبة إلى الحديث حول أبرز الأفلام التي حققت إيرادات، جاء فيلم “شباب البومب 3” بالمركز الأول متصدراً المشهد بشكل واضح، ومحققاً 15.2 مليون ريال خلال أسبوع واحد، مع أكثر من 381 ألف تذكرة مباعة، ليستحوذ على نحو 40% من إجمالي الإيرادات، ونحو نصف عدد التذاكر. هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل يرتبط بتاريخ السلسلة التي بدأت كعمل تلفزيوني عام 2012، ونجحت في بناء قاعدة جماهيرية واسعة، خاصة بين فئة الشباب. بينما يواصل الجزء الثالث حصد هذا النجاح من خلال قصة خفيفة تدور حول رحلة يخطط لها “عامر” مع أصدقائه، قبل أن تتعقد الأحداث بمشاركة العائلة، في قالب كوميدي يعتمد على المواقف اليومية القريبة من الجمهور.
بينما جاء فيلم “Project Hail Mary” في المرتبة الثانية بإيرادات بلغت 6.8 مليون ريال. حيث ينتمي الفيلم إلى الخيال العلمي، ويقدم قصة عالم يجد نفسه في مهمة لإنقاذ الأرض، ضمن حبكة تجمع بين العلم والتشويق. ورغم النجاح العالمي الكبير للفيلم وتصدره في أسواق عدة، فإن حلوله ثانياً في السعودية خلف فيلم محلي يعكس ميلاً واضحاً لدى الجمهور نحو الأعمال الأقرب إلى ثقافته.
أما المرتبة الثالثة فكانت من نصيب الفيلم المصري “فاميلي بيزنس”، الذي حقق 5.2 مليون ريال، مقدماً قصة كوميدية عن عائلة تواجه أزمة مالية وتلجأ إلى الاحتيال في مواقف ساخرة. ويؤكد هذا الحضور استمرار جاذبية الكوميديا العربية في السوق السعودية.
وتتواصل القائمة بأعمال متنوعة، حيث جاء فيلم الرعب “Scream 7” رابعاً بإيرادات 4.2 مليون ريال، تلاه فيلم الأنيميشن “Hoppers” بإيرادات 3.5 مليون ريال، ثم “Marty Supreme” بأقل من مليون ريال، وهي أفلام لا تزال في أسبوعها الثاني. كما حضر الفيلم الهندي “Aadu 3” بإيرادات 821 ألف ريال، إلى جانب أفلام أميركية أخرى مثل “Protector” و”Reminders Of Him” و”The Bride”، مما يعكس تنوعاً كبيراً في المعروض، ويمنح الجمهور خيارات متعددة بين الكوميديا والرعب والخيال العلمي والرسوم المتحركة.
هذا التنوع لا ينعكس فقط على مستوى الاختيارات، بل يسهم أيضاً في استقرار السوق ونشاطه، خاصة مع تزايد الإقبال في المواسم. وتدعم ذلك مؤشرات إقليمية، حيث ارتفعت مبيعات التذاكر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عيد الفطر بنسبة 48% مقارنة بالعام الماضي، مع بروز السعودية كأحد أهم الأسواق في المنطقة.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، تظهر بيانات عام 2025 استمرار هذا النمو، إذ بلغت إيرادات شباك التذاكر نحو 920.8 مليون ريال، مع عرض 538 فيلماً وبيع 18.8 مليون تذكرة، بمتوسط سعر 49 ريالاً للتذكرة. كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، ما يعكس تطور الإنتاج المحلي.
وعلى مستوى المناطق، تصدرت الرياض الإيرادات بـ434.4 مليون ريال و8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بـ143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة، مع مساهمات متفاوتة لبقية المناطق مثل المدينة المنورة والقصيم وعسير وتبوك وحائل وجازان والحدود الشمالية. كما بلغ عدد دور السينما 62 دار عرض تضم 603 شاشات، وهو ما يعكس التوسع المستمر في البنية التحتية.
وإذا قمنا بتتبع تطور السوق منذ عام 2018، نجد قفزات كبيرة في الإيرادات وعدد التذاكر، وصولاً إلى ذروة تجاوزت 1.9 مليار ريال في 2022، قبل أن تستقر الأرقام عند مستويات قوية في السنوات اللاحقة، مما يدل على وصول السوق إلى مرحلة من النضج النسبي.
كما تكشف البيانات عن تفضيلات الجمهور، حيث تتصدر أفلام الأكشن قائمة الإيرادات بنحو 297.8 مليون ريال، تليها الكوميديا بـ237.7 مليون ريال، ثم الرعب بـ111.4 مليون ريال، وهو ما يفسر طبيعة الأفلام التي تحقق النجاح في المواسم الكبرى.
بالمحصلة، يمكن القول إن ما حدث في موسم عيد الفطر ليس مجرد ارتفاع مؤقت في الإيرادات، بل هو مؤشر على عودة قوية للسوق السينمائية بعد فترة ركود متوقعة، ومع وجود عوامل التنوع في الأفلام، وتوفر ظروف العرض المميزة في دور السينما يمكن القول أن السعودية تسير بخطى ثابتة اتجاه الريادة لتكون واحدة من أبرز أسواق المنطقة وأكثرها نشاط.
اقرأ أيضاً: السينما السعودية تتألق على المسرح العالمي في تظاهرة لا فابريك

