تشهد صادرات المملكة العربية السعودية من النفط مرحلة لافتة من النشاط والانتعاش، في وقت تتشابك فيه العوامل الاقتصادية مع المتغيرات السياسية والأمنية في المنطقة. حيث تعيش أسواق الطاقة مرحلة من التوتر والترقب عقب اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. إلا أنه يبدو إلى الآن أن الرياض لم يتأثر حضورها في السوق العالمي. وبالنظر إلى الفترة القليلة السابقة، نجد أنها عززت نشاطها كأحد أكبر موردي الخام في العالم وصاحبة الطاقة الإنتاجية الفائضة الأكبر داخل تحالف أوبك.
فخلال الأيام الأربعة والعشرين الأولى من شهر فبراير، ارتفعت شحنات الخام السعودية إلى 7.3 مليون برميل يومياً، مسجلة أعلى مستوى منذ أبريل 2023، وفق بيانات تتبع الناقلات التي جمعتها بلومبرغ.
ويتزامن هذا الارتفاع مع زيادة إنتاج المملكة للنفط ضمن تراجع تدريجي عن قراراتها بتخفيض الإمدادات السابقة، حيث جرى رفع مستهدف الإنتاج بنحو 1.125 مليون برميل يومياً على مدار عام 2025. غير أن هذه العملية توقفت خلال الربع الأول من العام، بانتظار ما يسفر عنه اجتماع وزراء الدول المنضمة لتحالف أوبك بشأن مستويات الإنتاج لشهر أبريل وربما للفترة التي تليه.
وعلى صعيد المنافذ التصديرية، بلغت الشحنات من محطة ينبع على البحر الأحمر إلى وجهات خارجية نحو 833 ألف برميل يومياً حتى الآن خلال الشهر، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر، لكنه لا يزال يعادل قرابة ثلثي الذروة المسجلة في عام 2024، ما يشير إلى استمرار وجود هامش لزيادة التدفقات عبر هذا المسار.
أما على مستوى الأداء السنوي، فقد ارتفع متوسط الصادرات النفطية السعودية (الخام والمنتجات) خلال عام 2025 بنسبة 7.87% على أساس سنوي، بزيادة تعادل 578 ألف برميل يومياً مقارنة بالعام السابق. وبلغ متوسط الصادرات 7.918 مليون برميل يومياً في 2025، مقابل 7.340 مليون برميل يومياً في 2024، بحسب بيانات مبادرة البيانات المشتركة للدول المصدرة للنفط “جودي”. كما ارتفعت الكميات المصدرة بنسبة 7.59% لتصل إلى نحو 2.89 مليار برميل خلال العام، مقارنة بنحو 2.69 مليار برميل في العام السابق.
وفي ديسمبر 2025، قفزت الصادرات النفطية الإجمالية (خاماً ومنتجات) بنسبة 16.2% على أساس سنوي لتبلغ 8.459 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ7.277 مليون برميل يومياً في الشهر نفسه من عام 2024. غير أن صادرات النفط الخام تراجعت خلال ديسمبر إلى 6.988 مليون برميل يومياً، مقابل 7.378 مليون برميل يومياً في نوفمبر، و7.098 مليون برميل يومياً في أكتوبر. وفي المقابل، ارتفعت صادرات المنتجات النفطية إلى 1.471 مليون برميل يومياً في ديسمبر، مقابل 1.275 مليون برميل يومياً في نوفمبر، و1.406 مليون برميل يومياً في أكتوبر 2025، مما يعكس نمو دور المنتجات المكررة في هيكل الصادرات.
ورغم انخفاض أسعار النفط بنحو 20% وتراجع الإيرادات النفطية إلى نحو 607 مليارات ريال خلال 2025، واصلت المملكة سياستها التوسعية في الإنفاق، لترفع مصروفاتها بنحو 1% عن الإنفاق الفعلي في 2024، مسجلة مستوى قياسياً عند 1.39 تريليون ريال. وتمثل هذه المصروفات زيادة بنسبة 8% مقارنة بالنفقات المقدرة في الميزانية البالغة 1.29 تريليون ريال. ويأتي هذا للعام الرابع على التوالي من الإنفاق القياسي، مع تركيز واضح على المشاريع الحكومية الضخمة، ومنظومة الدعم الاجتماعي، ودعم السلع والخدمات الأساسية المستوردة.
وفي المقابل، أسهمت الإيرادات غير النفطية في دعم الميزانية، إذ واصلت تسجيل مستويات قياسية عند 505 مليارات ريال بزيادة تقارب 1%، لتغطي نحو 38% من إجمالي النفقات الحكومية خلال 2025، مما يعكس استمرار جهود تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد النسبي على العائدات النفطية.
أهم الدول المستوردة للنفط السعودي
توضح بيانات وحدة أبحاث الطاقة أن أكبر 10 دول مستوردة للنفط الخام السعودي ومشتقاته المنقولة بحراً استحوذت على نحو 71% من إجمالي الصادرات خلال 2025، ما يبرز تركز الطلب في أسواق آسيوية بالدرجة الأولى.
تصدرت الصين القائمة بمتوسط واردات بلغ 1.431 مليون برميل يومياً، في ظل تكثيف بكين مشترياتها لتعزيز مخزوناتها التجارية والاستراتيجية. وجاءت اليابان في المرتبة الثانية بواقع 1.007 مليون برميل يومياً، تلتها كوريا الجنوبية بنحو 981 ألف برميل يومياً.
وضمت القائمة كذلك كلاً من الهند بمتوسط 651 ألف برميل يومياً، والولايات المتحدة بنحو 318 ألف برميل يومياً، إضافة إلى تايوان بواقع 249 ألف برميل يومياً، وماليزيا بـ173 ألف برميل يومياً، وسنغافورة بـ151 ألف برميل يومياً، وتايلاند بـ149 ألف برميل يومياً، وأخيراً الإمارات بنحو 125 ألف برميل يومياً.
ويؤكد هذا التوزيع الجغرافي تركز الطلب في آسيا على النفط السعودي، مع بقاء الأسواق الصناعية الكبرى في شرق وجنوب آسيا في صدارة المستوردين، مقابل حضور أقل نسبياً للأسواق الغربية.
الخلاصة، تجمع السعودية من خلال صادراتها النفطية وسياستها المتبعة بين زيادة الصادرات والحضور الدولي من جهة، والاستمرار في الإنفاق على التنمية من جهة أخرى. وبالمقارنة بين الإيرادات النفطية وغير النفطية، نجد أن الأخيرة تمنح السعودية مرونة أكبر بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية. وهذا ما يجعلخا تتجه بشكل متزايد نحو تعزيز اعتمادها على تنويع دخلها.
اقرأ أيضاً: حقول النفط والغاز في سوريا: دلالات الاتفاق السعودي-السوري الجديد

