حولت رؤية المملكة 2030 السعودية إلى مركز استقطاب عالمي في العديد من المجالات، والتي كان أخرها مجال الألعاب الإلكترونية، واستجابة لهذه الرؤية التي يرعاها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تتجه الأنظار نحو الصفقة التاريخية التي سيعقدها صندوق الاستثمارات السعودي مع شركة إلكترونيك آرتس (Electronic Arts)، التي من خلالها ستثبت السعودية أقدامها كمركز عالمي في مجال الألعاب الإلكترونية.
حيث يمتلك صندوق الاستثمارات العامة السعودي حالياً حصة بقيمة 5 مليارات دولار في الشركة، وسيضيف إليها رأس مال جديداً لشراء حصص المستثمرين الآخرين، بالتعاون مع شركتي سيلفر ليك مانجمنت (Silver Lake Management) وأفينيتي بارتنرز (Affinity Partners) التابعة لجاريد كوشنر. وبذلك سيصبح الصندوق المساهم الأكبر في الشركة بمبلغ يصل إلى 36 مليار دولار، وفقاً لمصادر مطلعة.
تمثل هذه الخطوة إنجازاً جديداً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يدعم هذا القطاع الناشئ.
الألعاب الإلكترونية في قلب الاستراتيجية الوطنية
يرى ولي العهد وطاقمه المقرّب أن الألعاب الإلكترونية عنصر رئيسي في خطط السعودية لتوفير عشرات الآلاف من الوظائف وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
وعند الحديث عن الاستثمارات في هذا القطاع، أشارت شركة أبحاث السوق “ألدورا” (Aldora) أن الصندوق استثمر حتى الآن نحو 30 مليار دولار في هذا المجال، شملت الاستحواذ على حصص في شركات كبرى مثل نينتندو ومطوّرة لعبة بوكيمون جو، إضافةً إلى بناء مدينة ألعاب ضخمة تحتوي على 4 ساحات رئيسية.
أكد المحلل مايكل باتشر من شركة “ويدبوش” أن الاستثمار في شركة مثل “إلكترونيك آرتس”، التي تملك ألعاباً ناجحة مثل مادن وباتلفيلد وإي إيه سبورتس إف سي، يتماشى تماماً مع متطلبات الاستراتيجية السعودية طويلة المدى.
في حين علق جاريد كوشنر، الرئيس التنفيذي لشركة أفينيتي بارتنرز وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصفقة، وأشاد بـ”الرؤية الجريئة للمستقبل” التي تمتلكها شركة إلكترونيك آرتس (EA)، وذلك في بيان رسمي أعلن فيه عن الصفقة.
وقال كوشنر في البيان: “لقد أعجبت دائماً بقدرة الشركة على ابتكار تجارب مميزة ودائمة. وبصفتي شخص نشأ على لعب ألعابها وما زال يستمتع بها حتى الآن مع أطفالي، فإنني متحمس للغاية لما هو قادم”.
والجدير بالذكر أن الرئيس التنفيذي لشركة سيلفر ليك إيغون ديربان يعد أيضاً أحد المستثمرين الرئيسيين في مساعي ترامب لوضع ملكية تيك توك تحت السيطرة الأميركية.
استثمارات سعودية ضخمة في الولايات المتحدة
تأتي هذه الصفقة بعد إعلان ولي العهد في مايو الماضي عن خطط لتعزيز الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة لتصل إلى تريليون دولار خلال السنوات المقبلة.
وقد حققت شركة “إلكترونيك آرتس”، التي يقع مقرها في كاليفورنيا، العام الماضي أرباحاً بلغت 1.12 مليار دولار من إيرادات وصلت إلى 7.46 مليار دولار، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من لعبة باتلفيلد في أكتوبر.
ومع الإعلان عن تداول أسهمها، وقبل الإعلان عن رغبة صندوق الاستثمارات السعودي بالاستحواذ عليها، كان سيحصل مساهمو شركة إلكترونيك آرتس (EA) على 210 دولارات نقداً للسهم الواحد، وفقاً لما نقلته قناتا CNBC وبلومبرغ.
وقد تم إيقاف التداول على أسهم الشركة بعد ارتفاع سعرها بنحو 6% قبل افتتاح جلسة التداول. وفي يوم الجمعة، ارتفعت الأسهم بنسبة 15% لتغلق عند 193.35 دولاراً، وذلك عقب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال أشار إلى أن الشركة باتت قريبة من إبرام صفقة للتحول إلى شركة خاصة.
والجدير بالذكر أن الصفقة إذا تمت ستكون أكبر عملية استحواذ ممولة بالديون في التاريخ، حيث سيقدّم بنك جيه بي مورجان تمويلاً بقيمة 20 مليار دولار.
بدأت السعودية استثمارها في “إلكترونيك آرتس” عام 2021 بحصة قيمتها 1.1 مليار دولار، ورفعتها تدريجياً إلى نحو 4.8 مليار دولار بحلول سبتمبر 2024. كما يملك الصندوق حصصاً في شركات ألعاب أخرى مثل إمبراسر جروب، تيك تو إنترأكتيف، ونيكسون.
“مجموعة سافي”
انتقل صندوق الاستثمارات العامة من شراء حصص أقلية إلى تأسيس شركة متخصصة هي مجموعة سافي للألعاب الإلكترونية (Savvy Games) قبل 4 سنوات برعاية من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بهدف بناء بنية تحتية للألعاب في المملكة سواء على أرض الواقع أو في الألعاب الإلكترونية.
ثم استحوذت “سافي” عام 2023 على شركة سكوبيلي (Scopely) مقابل 4.9 مليار دولار، وجاذ ذلك مع إطلاق لعبة مونوبولي جو التي حققت نجاحاً عالمياً. كما اشترت في 2024 قسم الألعاب من شركة نيانتيك (Niantic) مقابل 3.5 مليار دولار، بما في ذلك لعبة بوكيمون جو الشهيرة.
وعلى الرغم من هذه النجاحات في ألعاب الهواتف المحمولة، يرى الرئيس التنفيذي لـ”سافي” برايان وارد أن حضور السعودية ما زال محدوداً في مجال ألعاب الأجهزة المنزلية والكمبيوتر، مؤكداً أن هذا الفراغ يحتاج إلى معالجة.
وقد تستفيد “إلكترونيك آرتس” من هذه العلاقة، خصوصاً بعد بعض إخفاقاتها السابقة في سوق الهواتف المحمولة مثل استحواذها الذي وصف بأنه مخيب للآمال على شركة جلو موبايل عام 2021.
صناعة الألعاب الإلكترونية وتحدياتها
يشير خبراء مثل جورج أوزبورن إلى أن انضمام “إلكترونيك آرتس” إلى الاستراتيجية السعودية قد يضمن نقل الخبرة العالمية إلى المطورين المحليين.
إلا أن قطاع صناعة الألعاب نفسها تشهد تقلبات حادة، والدليل على ذلك انخفاض المبيعات بعد طفرة جائحة كورونا، كما مرت “إلكترونيك آرتس” بجولات تسريح للموظفين، وكادت أن تغلق استوديو بايو وير بعد فشل إعادة إطلاق لعبة دراغون إيدج.
تزامن ذلك مع ضغوط على الاقتصاد السعودي نتيجة انخفاض أسعار النفط والعجز في الميزانية، مما جعل الاستثمار في قطاع الألعاب أكثر أهمية لدعم خطط التنويع.
الرياضة والألعاب الإلكترونية ركيزة في رؤية السعودية
نلاحظ أن السعودية تتجه نحو قطاع الرياضة والألعاب الإلكترونية وتتخذ منهما ركيزتين أساسيتين ضمن استراتيجيتها الهادفة إلى تنويع الاقتصاد. فقد استثمرت السعودية في الفرق الرياضية، وحقوق البث، واستضافة فعاليات كبرى في كرة القدم والجولف.
ويرى المحلل أندرو ماروك أن الاستحواذ على “إلكترونيك آرتس” منطقي، لأنه يتماشى مع سياسة المملكة الهادفة إلى التوسع في الرياضة، خاصة بعد الاستثمارات الضخمة في الدوري السعودي لكرة القدم.
كما أنشأ الصندوق منطقة القدية للألعاب الإلكترونية والرياضات، مستهدفاً جذب أكثر من 10 ملايين زائر سنوياً بنهاية العقد، واحتضان مطوري الألعاب.
وفي 2027، ستستضيف الرياض أول دورة ألعاب أولمبية إلكترونية، بعدما نجحت بالفعل في استضافة كأس العالم للرياضات الإلكترونية عام 2024، حيث بلغت قيمة الجوائز 70 مليون دولار، وشارك الأمير محمد بن سلمان في حفل الختام.
هوية اقتصادية جديدة ترسمها السعودية عبر استثماراتها في قطاع الألعاب الإلكترونية، مما يضعها على الطريق الصحيح في السعي للتحول إلى مركز عالمي في هذا المجال، كما تتجه الأنظار نحو الخطوات الجديدة التي ستقوم بها في شركة إلكترونيك آرتس (Electronic Arts).
اقرأ أيضاً: سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية.. استثمارات ضخمة وأرقام عالمية

