لم تُعد الضريبة العقارية في السعودية سؤالاً افتراضياً يلوّح في الأفق البعيد. اقتراحٌ صريحٌ جاء هذه المرة من صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund – IMF) في أحدث مشاوراته الدورية مع المملكة، واضعاً فكرة “ضريبة سنوية على ملكية العقار” على الطاولة كأحد أعمدة تعبئة الإيرادات غير النفطية. اقتراحٌ يطرق باباً لم تفتحه دول الخليج تاريخياً إلا على استحياء عبر رسوم انتقائية، لكنه اليوم يطلّ بحجمه كاملاً: قاعدة واسعة، حصيلة مستقرة، وأثر متوقَّع على سلوك السوق والتخطيط الحضري. فما الذي طلبه الصندوق تحديداً؟ وكيف يختلف ذلك عما تطبّقه السعودية حالياً من رسوم وتعاملات على العقار؟ وهل من السهل تحويل الفكرة إلى سياسة نافذة تراعي العدالة والكفاءة وتوازنات السوق؟
ضريبة عقارية على السعودية: ماذا اقترح صندوق النقد؟
أظهرت وثائق مشاورات المادة الرابعة 2025 أن الصندوق رحّب بخطط سعودية لرفع معدل الرسوم على الأراضي غير المطوّرة وإدخال ضريبة على العقارات الشاغرة، لكنه مضى أبعد من ذلك مقترحاً إدخال ضريبة عقارية دورية على الملكية نفسها، ضمن حزمة أوسع لتوسيع القاعدة الضريبية.
وتوقّع الصندوق أن تدرّ هذه الضريبة وحدها ما بين 1.0 إلى 1.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عند النضج، وهي نسبة تفوق متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتقترب من مستويات دول متقدمة، مع التشديد على أن نجاحها يتطلب بنية تقييم حديثة وسجلّات عقارية دقيقة. كما أوصى بإعادة النظر في إعفاءات ضريبة القيمة المضافة (Value Added Tax – VAT) على شراء المساكن والمعاملات العقارية، بوصفها تشوّهات تقلّص العدالة والكفاءة.
ما المقصود بالضريبة العقارية الدورية؟
تختلف الضريبة الدورية على الملكية عن رسوم التصرفات أو الرسوم على الأراضي البيضاء. هي ضريبة سنوية متكررة تُفرض على قيمة العقار أو مساحته أو مزيجٍ منهما. وفي أوراقه الفنية، يشير الصندوق إلى مدرستين للتقييم: التقييم القيمي المعتمد على أسعار السوق، والتقييم المساحي القائم على المساحة والخصائص الفيزيائية. ورجّح الصندوق خيار التقييم القيمي لكونه أكثر عدالة وتحصيلاً، مع الاستعانة بمنهج التقييم الجماعي المحوسب (Computer-Assisted Mass Appraisal – CAMA) لاحتساب القيم على نطاق واسع وبتكاليف معقولة، شريطة وجود بيانات سوقية موثوقة وسجل عقاري محدث.
كيف يختلف المقترح عن الرسوم المعمول بها اليوم؟
تطبّق السعودية منذ عام 2020 ضريبة التصرفات العقارية (Real Estate Transaction Tax – RETT) بنسبة 5% على بيع أو نقل ملكية العقارات، مع تحمّل الدولة هذه النسبة حتى مليون ريال عند شراء المواطن لمسكنه الأول، لتخفيف الكلفة وتشجيع التملك. وتُدار هذه الضريبة عبر هيئة الزكاة والضريبة والجمارك (Zakat, Tax and Customs Authority – ZATCA). هذه الضريبة غير متكررة، إذ تُدفع عند إتمام الصفقة فقط.
في المقابل، تشرف وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان (Ministry of Municipal and Rural Affairs and Housing – MOMRAH) على رسوم الأراضي البيضاء المفروضة منذ 2016 على الأراضي داخل النطاقات العمرانية. وجرى في مايو 2025 تعديلٌ موسّع للقانون رفع سقف الرسوم السنوية على “الأراضي البيضاء” حتى 10% من قيمة الأرض ووسّع نطاق التطبيق، مع إدخال رسوم على العقارات الشاغرة تصل إلى 5% ضمن ضوابط تفصيلية ستُحدِّدها اللوائح. هذه الرسوم تستهدف تحفيز التطوير وزيادة المعروض ومنع الاكتناز والمضاربة. لكنها، كحال ضريبة التصرفات، لا تُعدّ ضريبة ملكية دورية شاملة تغطي مخزون العقارات المطوّرة والمأهولة على اتساعه.
لماذا يطرح الصندوق هذه الضريبة الآن؟
انطلقت توصيات الصندوق من هدفٍ استراتيجي يتكرر في جميع تقاريره للمملكة: تعزيز الإيرادات غير النفطية بطريقة مستقرة لا تتأرجح مع أسعار الخام. الضريبة العقارية الدورية تمتاز بقاعدة واسعة وحصيلة قابلة للتنبؤ، وتُستخدم عالمياً في تمويل الخدمات المحلية والبنى التحتية. في سياق السعودية، ربط الصندوق الضريبة المقترحة بمسارٍ أوسع يشمل ترشيد الإنفاق والدعم، وتوسيع ضريبة القيمة المضافة، وإصلاحات في ضرائب الشركات والأفراد، ضمن رؤية تضمن العدالة والكفاءة وتحدّ من التشوّهات.
وقد ثبّت البيان الختامي لبعثة 2025 هذا الاتجاه، مرحباً بإدخال ضريبة على العقارات الشاغرة ورفع الرسوم على الأراضي غير المطوّرة، ومشيراً إلى الحاجة لاستكمال الإصلاح بتدابير أوسع.
هل من السهل تطبيقها في السعودية؟
لم يخفِ الصندوق أن التطبيق الناجح يتطلب سجلّاً عقارياً محدثاً (Cadaster)، وقدرةً منهجية على التقييم الدوري، ومنظومةً رقميةً للتحصيل وخدماتٍ ضريبية تسهّل الامتثال. ورأى أن المملكة قادرة تقنياً على تبنّي CAMA لوفرة البيانات ورسوخ البنية الرقمية الحكومية، لكنه شدّد على ضرورة استكمال الخرائط الجغرافية المرمّزة وعمليات الحصر الميداني لضمان شمول العقارات كافة وتقليل فرص التهرّب.
وتمنح التجربة السعودية مع رسوم الأراضي البيضاء أساساً عملياً يمكن البناء عليه لتوسيع الوعاء إلى ضريبة دورية تشمل العقارات المطوّرة أيضاً، مع تصميم إعفاءات دقيقة للمساكن منخفضة القيمة والفئات الأضعف.
ماذا عن العدالة الاجتماعية وسوق الإسكان؟
لا تُصمَّم الضرائب العقارية لجبايةٍ صمّاء. يقترح الصندوق صراحةً آليات تخفيف، مثل إعفاء الشريحة الدنيا من المساكن أو اعتماد شرائح تصاعدية ترتفع مع القيمة، أو منح خيار التأجيل لكبار السنّ من ذوي الدخل المحدود على أن تُستوفى الضريبة عند انتقال الملكية. ومن منظور السوق، تختلف الضريبة الدورية عن ضريبة التصرفات: الأولى تضغط على الاكتناز وتحفّز الاستغلال الأمثل للأرض والعقار، بينما الثانية قد تُبطئ حركة البيع والشراء إذا ارتفعت كلفتها.
لذا يوصي الصندوق عادةً بتخفيف الاعتماد على ضرائب المعاملات لصالح ضرائب الملكية الدورية، لأن أثرها أقل تشويهاً لتخصيص الموارد على المدى الطويل.
أين تقف الرسوم والضرائب الحالية من هذا المسار؟
أظهرت تعديلات 2025 على رسوم الأراضي البيضاء اتجاهاً واضحاً نحو زيادة التكلفة على حيازة الأراضي غير المستغلة والعقارات الشاغرة، ما ينسجم جزئياً مع فلسفة الضريبة الدورية. كما يستمر تطبيق ضريبة التصرفات العقارية بنسبة 5% عند البيع ونقل الملكية، مع ميزة تحمّل الدولة كلفة المسكن الأول حتى مليون ريال. غير أن الضريبة المقترحة من الصندوق ستنقل العبء إلى “المخزون العقاري” كل عام بدلاً من لحظة الصفقة فقط، ما يخلق حافزاً مستداماً للتطوير ويضمن إيراداً مستقراً للمالية العامة والبلديات.
خريطة طريق ممكنة للتنفيذ
انطلق الصندوق من فرضية “الإمكان الإداري” في السعودية، واقترح عملياً البدء بالمدن الكبرى حيث البيانات أكثر توافراً والسيولة أعلى، مع اعتماد تقييمٍ قيميّ يرتكز إلى بيانات الصفقات الفعلية، وتحديثٍ دوريّ عبر CAMA. وتظهر التجارب الدولية أن بناء السجلّ العقاري يمرّ بمراحل: تصويرٌ فضائي مرجعي، مسحٌ ميداني تكميلي، ربطٌ بمنظومات العناوين والبريد، وإصدار أرقامٍ فريدة لكل عقار. وفي مرحلة التطبيق، تبرز أهمية التواصل مع الجمهور وبناء قنوات اعتراض شفافة على التقييمات، وتطوير بوابات سداد وخدمات ميسّرة لشرائح الدخل المنخفض، وصولاً إلى تخصيص حصيلةٍ تعود على الخدمات المحلية بما يعزّز قبول المجتمع.
الخلاصة: ممكنة… بشرط التصميم الجيد
لم يكتفِ صندوق النقد بإطلاق الفكرة، بل وضع أرقاماً وإطاراً تشغيلياً وخياراتٍ تقنية تُظهر أن الضريبة العقارية الدورية قابلة للتنفيذ في السعودية وأن حصيلتها “مجدية” مقارنة بكلفتها الإدارية. غير أن نجاحها رهنٌ بتصميمٍ يراعي العدالة عبر إعفاءات ذكية، والكفاءة عبر تقييمات دقيقة قابلة للطعن، وقابلية الامتثال عبر خدمات رقمية سلسة، وتكاملاً محسوباً مع رسوم الأراضي البيضاء وضريبة التصرفات حتى لا تتضاعف الأعباء بلا جدوى. بهذا التوازن، تصبح الضريبة أداةً لإحياء الأراضي، وتخفيف المضاربة، وتمويل الخدمات، بدل أن تتحول إلى عقبة أمام امتلاك المسكن أو ديناميكية السوق.
اقرأ أيضاً: المقر الإقليمي: ما الذي يجذب الشركات العالمية للقدوم إلى السعودية؟

