مع انتشار التكنولوجيا الرقمية وبروز عدة مشتتات إلكترونية إلى جانب سلوكيات عديدة تتعلق بالتسوق أو الإفراط في الطعام، تتعالى أصوات الباحثين وخبراء الصحة النفسية، لتخصيص مساحة هادئة بعيدة عن ضجيج التقنيات، فرغم أهميتها في عصرنا الحالي، إلا أن هناك تطبيقات تحول الإنسان إلى كتلة معزولة عن المجتمع، وقد تلحق به عدة أمراض نفسية مثل الاكتئاب، لا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي وما تبثه من مقاطع قصيرة تؤدي إلى الإدمان وتشتت التركيز إضافة إلى تراجع الأداء العملي والدراسي.
وفي سياق المحاولات المتعددة للحد من إدمان السلوكيات الخاطئة خاصة التكنولوجية، بدأ ظهور ما يسمى “بصيام الدوبامين” لتقليل التفاعل القهري مع المحفزات المفرطة والحد من السلوك الاندفاعي، فماذا تعرف عن هذه الظاهرة وهل لها أساس علمي؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
صيام الدوبامين والسلوك القهري
يمكن تعريف الدوبامين بأنه عبارة عن هرمون أو مادة كيميائية طبيعية متواجدة في الجسم البشري، وتتعدد وظائفه فهو يعمل كناقل عصبي للإشارات بين الدماغ والجسم، كما أن توازنه الصحيح ضرورة لا بدّ منها، فهو يسهم بشكل كبير في المحافظة على الصحة النفسية والبدنية، نتيجة لدوره الرئيسي في التحكم بالأداء الحركي وردات الفعل والاستجابات العاطفية.
وهنا تجدر الإشارة إلى سوء الفهم الشائع لمصطلح “صيام الدوبامين”، فالأساس الذي انطلق منه لا يعني التقليل من الدوبامين الذي يُعتبر ناقلاً عصبياً مسؤولاً عن عدة وظائف دماغية، وإنما الهدف الرئيسي هو تقليص السلوك الاندفاعي القهري.
فوائد صيام الدوبامين
يشير خبراء النفس إلى وجود علاقة طردية بين إفراز الدوبامين وسهولة الوصول للمكافآت، فكلما كان الحصول عليها أسرع وأقل جهداً، زاد إفراز المادة الكيميائية (الدوبامين)، وفي حال اعتيادك على هذا النمط يصعب إعادة توازنك واستمتاعك بالأنشطة الأخرى التي تتطلب جهداً أكبر، كالرياضة على سبيل المثال.
بالتالي، عندما يرتفع هذا الإفراز فإننا نميل إلى اعتماد سلوكيات سريعة دون تفكير، بما في ذلك إدمان التسوق أو الإسراف في تناول الأطعمة خاصة المصنعة إلى جانب الإدمان الإلكتروني الذي تركز عليه مختلف التوجهات الجديدة، خاصة خلال شهر رمضان المبارك حيث يعتمد فيه العديد من الأشخاص على الأجهزة الإلكترونية لقضاء ساعات الصيام الطويلة دون الإحساس بمرور الوقت.
وفقاً للأساس العلمي الذي قامت عليه صياغة صيام الدوبامين، يمكن تحقيق عدة فوائد أثبتتها تجارب أشخاص أكدوا تطبيقه وحصولهم على نتائج إيجابية، منها السيطرة على سلوكيات سلبية مؤثرة بشكل كبير على نمط الحياة وطريقة تعبئة أوقات الفراغ بشكل خاطئ، فقد أدى إلى تسليمهم زمام التحكم بانفعالاتهم إلى جانب زيادة مستوى التركيز، وتقليل الشعور بالجهد النفسي والإرهاق فضلاً عن الحد من إدمان الأجهزة الإلكترونية الذي منحهم مزيداً من الوقت لقضاء أنشطة أكثر فائدة.
أساسه العلمي
يعود الأصل العلمي لصيام الدوبامين إلى أخصائي الأمراض النفسية في جامعة كاليفورنيا، كاميرون سيباه، الذي وضع المصطلح كصيغة علمية محددة خلال عام 2018، ولكن تم تحريف المعنى بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، لدرجة اتباع عدة أفراد صياماً يقلل من نسبة الدوبامين نفسه من خلال الامتناع عن الكلام، وتجنب ممارسة أي أعمال ممتعة وغيرها.
ليأتي بعد ذلك الباحث بيتر جرينسبون، ويوضح المعنى الحقيقي للمصطلح، مؤكداً أن سيباه كان يشير إلى أساليب معينة للعلاج السلوكي المعرفي من خلال منح الدماغ فرصة للاستراحة من المحفزات المفرطة والسلوكيات الخاطئة التي تمنح الإنسان مشاعر إيجابية مؤقتة.
في المقابل، يرى بعض الخبراء أن الحد من استخدام المحفزات الرقمية له دور كبير في تحسين مستويات التركيز والتخفيف من مشاعر القلق والتوتر، إلا أنه لا توجد حتى اليوم إثباتات علمية قوية تشير إلى الدور الرئيسي للصيام في إعادة ضبط إفراز الدوبامين، كما يتم تداوله الآن على السوشيال ميديا.
يتّضح مما سبق، أن الأدلة العلمية ليست قوية بما فيه الكفاية للإشارة إلى مصطلح صيام الدوبامين كأحد المفاهيم العلمية، إلا أن التجارب والبحوث أثبتت بشكل جلي وجود علاقة وطيدة، بين زيادة إفراز الدوبامين والاعتماد على أنماط سلوكية سريعة وفورية قد تؤدي إلى الإدمان، فلا بد من التوقف عندها والعمل على الحدّ منها لننعم بحياة صحية سليمة.
اقرأ أيضاً: لتجنب فخاخ الاكتئاب: 5 عادات تحمي الصحة النفسية للرجال

