في 8 يوليو 2025، شهدت المملكة العربية السعودية تحولاً اقتصادياً استراتيجياً، عندما أقرّ مجلس الوزراء قانون تمليك العقارات السعودية للأجانب المسمى «قانون الملكية والاستثمار العقاري لغير السعوديين»، لأول مرة في تاريخ البلاد. ويسمح هذا القانون للأفراد والكيانات الأجنبية بشراء العقارات في مناطق محددة مثل الرياض وجدة، مع تنظيم خاص للمناطق المقدسة مثل مكة والمدينة، على أن يبدأ التنفيذ الرسمي في يناير 2026، عقب نشر اللائحة التنفيذية خلال 180 يوماً على منصة «استطلاع».
تمليك العقارات السعودية للأجانب
وهذا التوجه يُعدّ بمثابة حجر أساس في استراتيجية رؤية 2030، الهادفة إلى تحفيز النمو، تنويع الاقتصاد، جذب الاستثمارات الأجنبية، ورفع نسبة تملك السعوديين من 70% في المجمعات السكنية إلى مستويات أعلى.
يشمل القانون الجديد مناطق عقارية تتراوح بين المشاريع السكنية والتجارية، مع شروط محددة تدفع نحو تطوير بنية تحتية مستدامة. فالأشخاص الحاملون للإقامة (إقامة عمل أو إقامة مميزة) يمكنهم التملك الشخصي، شرط موافقة أمنية وضوابط سعرية لتثبيت السوق.
وفي المشاريع الكبرى، يُشترط حد أدنى للاستثمار (يُقال إنّه حوالي 30 مليون ريال)، والالتزام بتنفيذ مشروعات سكنية أو تجارية خلال خمس سنوات لتعزيز التنمية العملية، وليس الاقتصار على المضاربات.
أما الأرض المقدسة، فتخضع لنظام تحكم أكثر دقة، لضمان الحفاظ على الطابع الديني والثقافي، مع استثناءات ضيقة للوقف أو الورثة المسلمين وفق أنظمة خاصة.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية عميقة
يشير تحليل اقتصاديات السوق أن إطلاق هذه المبادرات سيعزز سوق العقار بزيادة العرض، وتنويع الطلب، ورفع مستوى الاحتراف الاقتصادي للمطورين المحليين. وقد شهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً بنسبة 7.6% في فصل يونيو 2025، من بينها منازل الفلل التي ارتفعت 7.1%، في ظل إدارة حكومية تسعى لكبح التضخم بطرح أراضٍ مدروسة للمواطنين وفتح المجال للأجانب.
وبحسب “ذا ناشنال”، فإن 40% من السكان المقيمين هم من غير الخليجيين. ويُتوقّع أن تشكل هذه الخطوة، إذا أُحسنت إدارة تنفيذها، عامل جذب للاستقرار الوظيفي والاجتماعي لهؤلاء المقيمين.
كما سيرتقي القطاع العقاري السعودي إلى مستويات جديدة من التنافسية، خاصة مقارنة بدبي، التي فتحت أبوابها للأجانب عام 2002 في مناطق مختارة، وساعدها ذلك على تعزيز قيم العقار وتأسيس بنية مستديمة للساحتين المحلية والخارجية.
اقرأ أيضاً: ثلاث فعاليات سعودية بريطانية كبرى في لندن صيف 2025
خطوة أولى: صيف الاستثمار 2025!
اتساقاً مع المعطى الجديد، شهدت العاصمة البريطانية لندن في العاشر من يوليو 2025 انطلاق فعاليات مبادرة «صيف الاستثمار 2025» التي تنظمها شركة IIG Estates بالشراكة مع مجلس الأعمال السعودي البريطاني (Saudi British Joint Business Council – SBJBC)، وبالتعاون مع المستشارين القانونيين من شركة Wuthqa.
وجاء هذا الحدث في توقيت بالغ الأهمية، بعد أيام فقط من إقرار السعودية قرارها التاريخي بالسماح بتملك الأجانب للعقارات، ليشكّل خطوة عملية أولى نحو تفعيل هذا القرار واستكشاف الفرص الاستثمارية المستقبلية.
افتُتحت الفعالية بجلسة مغلقة على شكل طاولة مستديرة خاصة، جمعت ممثلين من القطاعات العقارية والمالية والقانونية من السعودية والمملكة المتحدة، بحضور عدد محدود من المستثمرين والمسؤولين. وتركزت الجلسة على استعراض فرصة استثمارية فريدة في المدينة المنورة، تهدف إلى تطوير مشروع عقاري متكامل يُراعي البُعد الديني والثقافي للمنطقة، ويستهدف في الوقت ذاته دعم السياحة المستدامة والبنية التحتية في المدينة.
كما جرى خلال اللقاء عرض الإطار القانوني الجديد الذي أقرّته المملكة لتمكين تملك العقارات من قبل غير السعوديين، حيث قدّم مستشارون قانونيون من شركة Wuthqa شرحاً تفصيلياً لأهم الضوابط والاشتراطات المرتبطة بالتراخيص، ونظام الحوكمة، وآليات الامتثال. وتمت مناقشة الجوانب المؤسسية للمشاريع العقارية الكبرى، بما في ذلك إدارة المخاطر، والتخطيط المستدام، وتكامل الأدوار بين المستثمرين المحليين والدوليين.
ومن المنتظر أن تتواصل سلسلة فعاليات «صيف الاستثمار 2025» خلال الأسابيع المقبلة، حيث يُعقد في الحادي والعشرين من يوليو لقاء خاص في البرلمان البريطاني بمشاركة شخصيات رفيعة المستوى من كلا البلدين، بهدف تعميق التعاون الثنائي وتوسيع آفاق الشراكات الاقتصادية. ويُختتم البرنامج في الرابع والخامس من أغسطس المقبل بمعرض عام يُقام في فندق «جميرا كارلتون تاور – Jumeirah Carlton Tower» في لندن، ويُتوقع أن يستقطب عدداً كبيراً من المهتمين بالاستثمار في السوق العقاري السعودي، إلى جانب شركات التطوير والمستثمرين من مختلف دول العالم.
خلاصة
ختاماً، إن ما بدأ بطاولة مستديرة في لندن قد يكون نقطة الانطلاق لسلسلة مشاريع ومبادرات تغيّر ملامح سوق العقار في المملكة، وتعيد رسم العلاقة بين الداخل والخارج في سياق اقتصادي أكثر انفتاحاً. فالسعودية اليوم لا تطرح عقارات فقط، بل تطرح ثقة، واستقراراً قانونياً، ومناخاً استثمارياً جديداً يُبنى بهدوء، ولكن بثبات واستمرار..
اقرأ أيضاً: جدل ونقاش واسع: ماذا يعني السماح للأجانب بتملك العقارات في السعودية؟

