تتجه السلطات في السعودية نحو تنظيم عمليات جمع التبرعات بشكل أكثر دقة من خلال قوانين جديدة تضع ضوابط واضحة لعمليات الترخيص، والإعلان، واستلام التبرعات، وإدارة النفقات. وتركز هذه التدابير على حماية أموال المتبرعين وخصوصية المستفيدين، مع منع الممارسات التي قد تؤدي إلى استغلال العمل الخيري لأغراض ترويجية أو تسويقية.
وتأتي هذه المبادرة في ظل التوسع المستمر لقنوات التبرع، بما في ذلك المنصات الرقمية مما يجعل التنظيم أمراً ضرورياً لضمان وصول الأموال إلى وجهاتها المحددة، إذ يبدو أن النوايا الحسنة وحدها لم تعد كافية لإدارة هذا القطاع بأكمله.
تراخيص خاصة وبرامج تتسم بالشفافية
تتضمن مسودة اللوائح التنظيمية الخاصة بإدارة جمع التبرعات مجموعة من المتطلبات اللازمة للحصول على ترخيص، وتشمل هذه المتطلبات حيازة ترخيص قانوني لمزاولة النشاط، واستيفاء معايير إدارية محددة، وخلو السجل من أي مخالفات أو مشكلات جوهرية خلال الفترة السابقة لتقديم الطلب. كما يتعين على المتقدمين تقديم خطة توضح الغرض من جمع التبرعات والتكاليف المالية المرتبطة بالحملة. ويجب أن تُصدر التصاريح لغرض أو نشاط محدد، ولفترة زمنية معينة، ولنطاق جغرافي محدد في حالات التبرعات العينية.
يهدف مشروع القانون إلى وضع ضوابط لإعلانات جمع التبرعات للحد من المحتوى المضلل أو المبالغ فيه، وتوفير آلية للتحقق من مشروعية الحملة قبل تحويل أموال المتبرعين. وتشمل المتطلبات الرئيسية إدراج رمز الاستجابة السريعة (QR code) في الإعلان، مما يتيح الوصول إلى خدمة للتحقق من صحة التصريح ونطاقه.
بالإضافة إلى ذلك، يجب تضمين تفاصيل التصريح أو رابط رقمي في الإعلانات التي لا تحتوي على محتوى مرئي. وتحظر القواعد المقترحة استخدام عبارات توحي بضمان أجر أو ثواب روحي محدد، أو استخدام النصوص الدينية خارج سياقها الصحيح. كما تحظر القواعد إشراك الأطفال في الحملات الإعلانية، وتقديم محتوى قد يسيء لسمعة العمل الخيري أو يستغل مشاعر الجمهور.
اقرأ أيضاً: الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية يقفز إلى 1122.8 مليار ريال.. ما وراء ذلك؟
حماية المستفيدين والبيانات الشخصية
لا تقتصر اللوائح على الجوانب المالية فحسب، بل تحدد أيضاً كيفية التعامل مع المستفيدين؛ إذ تحظر المسودة تصوير المستفيدين أو عرض صورهم بطريقة تمس بكرامتهم أو تستغل ظروفهم الإنسانية، وتهدف إلى التمييز بين ضرورة التوعية بقضايا معينة وبين استغلال معاناة الناس لأغراض إعلانية.
كما تلزم القواعد الجهات المعنية بالحصول على موافقة الأفراد قبل استخدام بيانات الاتصال الخاصة بهم لإرسال رسائل إعلانية، مع منحهم خيار إلغاء الاشتراك أو عدم تلقي مثل هذه المراسلات. وتلزم القواعد المقترحة الجهات القائمة على الحملات بالإفصاح طوال فترة الحملة عن إجمالي المستهدف من جمع التبرعات، والمبلغ المتبقي للوصول إلى ذلك الهدف، ونفقات الحملة، وتكاليف الإعلان، وأي استقطاعات من التبرعات.
وتكتسب هذه الجانب أهمية خاصة بالنسبة للمتبرعين، إذ يوفر صورة أوضح لكيفية استخدام الأموال ويساعد في الحد من الغموض المحيط بالتكاليف المرتبطة بالحملات الخيرية.
لوائح التبرعات العينية
كما تتناول القواعد مسألة التبرعات العينية من خلال اشتراط إصدار إيصال رسمي، وتوفير مرافق ملائمة للتخزين والفرز، والالتزام بالمعايير الفنية والصحية. بالإضافة إلى ذلك، تحدد اللوائح أوجه استخدام الأموال التي تم جمعها، وتسمح ببيع التبرعات غير النقدية (العينية) غير المستخدمة، شريطة الحصول على التصاريح اللازمة على أن تُوجه العوائد إلى المستفيدين أو تُستخدم لتغطية جزء من تكاليف جمع التبرعات وفقاً للضوابط المعتمدة. الرقابة المؤسسية والمساءلة
تُلزم اللوائح الجهات المرخص لها بوضع سياسات للامتثال ومراقبة عمليات جمع التبرعات وصرفها، والإفصاح عن حالات تضارب المصالح، والتعامل مع الشكاوى والبلاغات. كما تمنح اللوائح الجهة التنظيمية صلاحية إلزام الجهات غير الممتثلة بتقديم خطط تصحيحية لمعالجة المشكلات المرصودة خلال إطار زمني محدد، مما يسهل الانتقال من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة المستمرة.
ختاماً، تهدف اللوائح الجديدة إلى إرساء مزيد من الشفافية والنظام في مجال جمع التبرعات من خلال حماية المتبرعين، وصون كرامة المستفيدين، وتعزيز الرقابة على الجهات الإعلانية والتسويقية، ومواءمة العمل الخيري مع معايير عليا للشفافية والحوكمة. ومن شأن ذلك أن يعزز الثقة في القطاع غير الربحي ويضمن وصول التبرعات إلى مستحقيها، بمنأى عن الممارسات المضللة أو سوء الاستخدام.

