لا ينقص عسير الوعد، المنطقة تتحرك منذ سنوات على خط واضح، سياحة أكبر، واستثمار أوسع، ومشاريع تعيد رسم موقع الجنوب السعودي داخل الاقتصاد الوطني. لكن السؤال الجدي لا يبدأ عند عدد الزوار ولا عند صور المشاريع الجديدة، بل عند الناس الذين سيشغلون هذه المشاريع ويديرون خدماتها ويحوّلون الإنفاق العابر إلى دخل محلي ثابت.
ومن هذه الزاوية، تبدو عسير حالة تستحق النظر بهدوء، فالمشهد لا يقوم على قرار واحد ولا على حملة توظيف منفصلة، بل على طبقات تتراكم فوق بعضها، استراتيجية إقليمية تضع السياحة في مركز النمو، ومشاريع كبرى ترفع الطلب المتوقع على العمالة، وبرامج تدريب وتمكين تقول إنها تريد تجهيز أبناء المنطقة لهذه اللحظة. لهذا يصبح السؤال مشروعاً، هل يمكن أن تتحول برامج التدريب فعلاً إلى محرك نمو محلي مستدام، أم أنها ما زالت أقرب إلى استجابة جزئية لسوق يتوسع أسرع من قدرات التأهيل فيه؟
برامج التدريب في عسير
بحسب استراتيجية تطوير عسير، الهدف المعلن ليس محدوداً. الهيئة تتحدث عن منطقة عالمية طوال العام، وعن نحو 9.1 مليون زيارة، ونحو 26 مليار ريال أثر اقتصادي محلي، وما يقارب 94 ألف وظيفة إضافية بحلول 2030. والأهم أن الوثيقة لا تفصل بين هذه الأرقام وبين تنمية الكفاءات والمشاركة المجتمعية، بل تضع تنفيذ أنشطة تنمية القدرات والكفاءات في قطاع السياحة ضمن صلب الاستراتيجية نفسها. هذا مهم، لأنه يعني أن برامج التدريب ليست تفصيلاً جانبياً في الخطة، بل جزء من منطقها الداخلي.
كما أن النسخة التفصيلية من استراتيجية قمم وشيم تذهب أبعد من ذلك حين تصف السياحة بأنها محفز استثنائي للنمو في عسير، وتشير إلى إمكانات التوطين السريع في هذا القطاع. وهذه العبارة وحدها تكشف طبيعة الرهان. فحين يكون القطاع الأسرع قدرة على خلق فرص العمل هو نفسه القطاع الأكثر اعتماداً على الخدمة المباشرة والمهارة التطبيقية، يصبح التدريب مسألة اقتصادية لا تعليمية فقط.
من الورشة إلى السوق
على الأرض، ظهرت إشارات عملية على هذا الاتجاه. في أكتوبر 2024 أطلقت هيئة تطوير عسير برنامجاً تدريبياً لتمكين رواد السياحة، مستهدفاً رفع مهارات العاملين وأصحاب المشاريع في مجالات القرى التراثية والنزل الريفية والمزارع والأنشطة السياحية. وبعدها بأشهر نظمت غرفة أبها، بالتعاون مع وزارة السياحة، لقاءً حمل عنوان “من عسير” لمناقشة تنمية القدرات البشرية السياحية في المنطقة وبرامج دعم التوطين والتدريب. ثم جاء معرض التوظيف السياحي في يونيو 2025 ليقدم صورة أوضح، إذ طُرحت مئة وظيفة، وتقدم نحو 400 شاب وشابة، مع وعد بتدريب ميداني للمقبولين.
هذا المسار مهم لأنه يربط ثلاث حلقات غالباً ما كانت منفصلة، التوعية، ثم التدريب، ثم التوظيف. لكنه لا يكفي وحده للحكم على الاستدامة. فالمعرض يوظف، والبرنامج يدرب، واللقاء يشرح، لكن النمو المحلي المستدام يحتاج شيئاً أكثر صلابة، يحتاج سلسلة مستمرة لا فعاليات متفرقة، ويحتاج قياساً واضحاً لما يحدث بعد انتهاء الدورة أو المعرض، من بقي في العمل، ومن انتقل إلى وظيفة أفضل، ومن أسس مشروعاً صغيراً قابلاً للبقاء.
إسناد وطني أوسع
العامل الذي يمنح تجربة عسير وزناً إضافياً هو أنها لا تتحرك وحدها. على المستوى الوطني، يبدأ تنفيذ قرار توطين 41 مهنة في القطاع السياحي في 22 أبريل 2026، في خطوة تنقل الطلب على الكوادر الوطنية من التوصية إلى الإلزام التنظيمي.
وقبل ذلك بأيام، يدخل حيز التنفيذ قرار وزارة الموارد البشرية الذي يُلزم منشآت القطاع الخاص التي تضم 50 عاملاً فأكثر بتدريب ما لا يقل عن 2 بالمئة من إجمالي العاملين سنوياً على رأس العمل، لمدة تتراوح بين شهرين وستة أشهر، مع توثيق عقود التدريب عبر منصة قوى.
إلى جانب ذلك، يقدّم برنامج توطين لدى صندوق تنمية الموارد البشرية دعماً للتوظيف والتدريب والاستقرار الوظيفي، فيما يشير تقرير إطار المهارات في السياحة والضيافة الصادر في 2025 إلى انتقال المملكة نحو بناء مسارات وظيفية وعائلات مهنية ومعايير مهارية أكثر وضوحاً. والمعنى هنا واضح، برامج التدريب في عسير لم تعد تعمل في فراغ إداري، بل داخل بنية وطنية تحاول وصل التدريب الفعلي بحاجات السوق، وهذا تطور جوهري إذا استُخدم جيداً.
الطلب قادم بالفعل
السبب الثاني الذي يجعل الملف جدياً هو أن الطلب على العمل في عسير ليس افتراضاً بعيداً. مشروع السودة للتطوير وحده يتحدث عن استقطاب مليوني زائر سنوياً بحلول 2030، وتطوير آلاف الغرف والوحدات، وإيجاد 8000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. ومشروع مطار أبها الجديد يُقدَّم رسمياً بوصفه محركاً لتنمية السياحة والخدمات اللوجستية وتحقيق مستهدفات استراتيجية عسير.
وهذا يعني أن المنطقة تتجه إلى اقتصاد خدمات أوسع، يحتاج موظفي استقبال، ومرشدين، ومشغلي وجهات، ومختصين في الأغذية، والنقل، والتسويق الرقمي، والصيانة، وإدارة التجربة السياحية.
هنا بالتحديد تتغير قيمة التدريب، فحين يكون هناك طلب حقيقي قادم من مشاريع واستثمارات وبنية تحتية، يصبح التدريب أداة لالتقاط القيمة محلياً. أما إذا بقي عاماً وموسمياً ومنفصلاً عن الوظائف الفعلية، فسيتحول إلى طبقة تجميلية فوق سوق يستوعب العمالة من خارجه أسرع مما يبنيها من داخله.
ما الذي يحسم النتيجة
مع ذلك، لا توجد وصفة سحرية، فنجاح عسير كنموذج توطين يتوقف على أمور عملية جداً. أولها أن تُبنى البرامج على احتياجات أصحاب العمل الفعلية لا على العناوين الجاذبة. وثانيها أن يتحول التدريب الميداني إلى مسار دخول مستقر لا إلى مرحلة مؤقتة تنتهي بخروج المتدرب من السوق. وثالثها أن تمتد الفائدة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة والأعمال الريفية، لأن النمو المحلي لا يُقاس فقط بعدد الوظائف المباشرة في المشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرة المطاعم الصغيرة، والنزل، والمزارع، والحرف، وخدمات النقل، على أخذ نصيبها من السلسلة الاقتصادية الجديدة.
لذلك يمكن القول إن عسير تملك شروط الانطلاق أكثر مما تملك ضمانات النجاح. لديها استراتيجية واضحة، وطلب متوقع على الوظائف، وبرامج تدريب تتكاثر، وبيئة تنظيمية وطنية تدفع نحو التوطين. لكن الحسم سيكون في مكان آخر، في جودة المواءمة بين التدريب والوظيفة، وفي نسب الاستبقاء، وفي الأجور، وفي قدرة أبناء المنطقة على التحول من حضور رمزي في السوق إلى حضور مهني مستقر ومتصاعد. هناك فقط يمكن الحكم إن كانت برامج التدريب قد صارت محركاً لنمو محلي مستدام، أم أنها بقيت خطوة جيدة داخل قصة أكبر لم تكتمل بعد.
اقرأ أيضاً: عسير الرقمية.. مستقبل التراث والسياحة بتقنيات مبتكرة

