تتقدّم البنية التحتية للطاقة في المملكة بخطوات محسوبة حين تتحول شبكات الغاز من مشروع تقني صامت إلى قرار اقتصادي له صدى مباشر داخل خطوط الإنتاج، فكل أنبوب جديد لا ينقل وقوداً فحسب بل ينقل معه تصوراً مختلفاً للكلفة والموثوقية والتنافسية، ومن هنا جاءت منافسات تراخيص إنشاء وتملك وتشغيل شبكات توزيع الغاز الطبيعي في خمس مدن صناعية بوصفها حلقة في مسار أوسع يرتبط ببرنامج إزاحة الوقود السائل ضمن رؤية السعودية 2030.
غاز للمدن الصناعية يغيّر المعادلة
تتعلق المنافسات بمدينة سدير للصناعة والأعمال والمدينة الصناعية في الخرج والمدن الصناعية الأولى والثانية والثالثة في جدة، وقد أوضحت وزارة الطاقة عند إعلانها بدء مرحلة التأهيل أن الطرح يتم وفق نظام إمدادات الطاقة ولائحة أنشطة الغاز الطبيعي وسوائله وبالتزامن مع التوسعة الثالثة لشبكة الغاز الرئيسة لدعم إحلال الغاز الطبيعي محل الوقود السائل.
نموذج BOO بين الاستثمار والتنظيم
يشير نموذج BOO إلى أن المستثمر أو التحالف الفائز يتولى التمويل والإنشاء ثم يمتلك الأصل ويشغله طوال مدة الترخيص، وهو ترتيب يخفف عبء الإنفاق الرأسمالي المباشر على القطاع العام ويعجّل التنفيذ، لكنه يجعل عنصر التعرفة والتنظيم محوراً حاسماً لضمان توازن العلاقة بين المستثمر والمستهلك الصناعي. وتؤكد وثائق الإطار التنظيمي أن مرافق الغاز تخضع للترخيص والرقابة ومتطلبات محاسبية وتشغيلية، بما يعكس توجهاً لفتح السوق مع ضبط قواعده.
من تأهل ولماذا الآن
في فبراير 2026 أُعلنت نتائج التأهيل المسبق، وتضمنت ثماني شركات وسبعة تحالفات مؤهلة لتقديم العروض الفنية بحلول 23 أبريل 2026. وتشمل الشركات المؤهلة East Gas وNatural Gas Distribution وEgyptian Kuwaiti Advanced Operation and Maintenance وGASCO وSaab Energy Solutions وSergas Contracting وBharat Petroleum Corporation وUniGas Arabia، بينما تجمع التحالفات شركات من السعودية ومصر والصين والإمارات وبريطانيا والهند.
وتقدم هذه التشكيلة إشارة إلى سوق يجذب خبرات متنوعة، في وقت تحدثت تقارير أعمال عن توجه حكومي لتطوير بنية الغاز في عدد كبير من المدن الصناعية.
كلفة الطاقة وحسابات المصانع
السؤال الأهم للصناعة ليس اسم المشغل فقط بل ما الذي سيتغير في فاتورة الطاقة ومخاطر التوقف، فالغاز الطبيعي قد يمنح استقراراً أعلى في الإمداد مقارنة بالوقود السائل الذي يتأثر بالنقل والتخزين، كما أنه في كثير من التطبيقات يرفع كفاءة الاحتراق ويقلل صيانة المعدات، ما ينعكس على كلفة التشغيل الكلية لا على بند الوقود وحده.
وفي المقابل قد تظهر كلفة ربط أو رسوم خدمة مرتبطة باسترداد استثمارات الشبكة ضمن نموذج BOO، ولذلك قد يختلف أثر غاز للمدن الصناعية على تكلفة الصناعة بين منشأة وأخرى بحسب قربها من الشبكة وحجم استهلاكها.
ولأن الوزارة ربطت المشروع ببرنامج إزاحة الوقود السائل فإن المنطق الاقتصادي يراهن على إحلال الغاز وتحقيق منافع اقتصادية وبيئية أوسع. وإذا نظرنا إلى هيكل الكلفة أبعد، فالمصانع تميز بين سعر الغاز وبين كلفة التوزيع داخل المدينة الصناعية، فالأول يرتبط بسياسات التسعير والعقود، والثاني يتصل باستثمارات الشبكة والصيانة ومؤشرات الأداء التي قد تُضمَّن في رسوم الخدمة.
ويشير مختصون في تنظيم المرافق إلى أن أنشطة التوزيع كثيراً ما تُدار بتسعير منظم للحد من احتكار البنية التحتية، وهو ما تضع له اللوائح إطاراً رقابياً عبر الترخيص والالتزامات التشغيلية. كما قد يعزز توفر الغاز قرارات التوسع لدى كثير من القطاعات، لأن الطاقة المستقرة تقلل مخاطر توقف الإنتاج وتدعم تنافسية الصادرات فعلياً.
أسئلة مفتوحة وخيارات الصناعة
مع اقتراب مرحلة العروض الفنية تبرز أسئلة ستحدد الصورة النهائية، مثل مدى وضوح منهجية التعرفة وآليات مراجعتها، وكيف ستدار جودة الخدمة والاستجابة للأعطال، وما إذا كانت المنافسة ستتوسع لاحقاً إلى مدن صناعية إضافية. كما أن دخول تحالفات عابرة للحدود قد يحمل خبرات تشغيلية متقدمة، لكنه يختبر قدرة السوق على توطين الخدمات المساندة وبناء كوادر محلية.
في النهاية يبقى غاز للمدن الصناعية مشروعاً تتقاطع فيه السياسة التنظيمية مع هندسة التمويل، وكلما اتضحت قواعد المنافسة والشفافية في التكلفة زادت قدرة المصانع على تحويل الطاقة من عبء متغير إلى ميزة تنافسية مستقرة.
اقرأ أيضاً: أرامكو تفاجئ العالم بـ 7 اكتشافات جديدة للنفط والغاز: هل تغير هذه الاكتشافات خريطة الطاقة العالمية؟

