لا تدخل فرسان إلى الخريطة السياحية السعودية كجزيرة جميلة فحسب. هذا توصيف ناقص. الجزيرة، بما حولها من مانغروف وشعاب وطيور ومياه ضحلة، تطرح سؤالاً أوسع عن الوجه الذي تريد المملكة أن تقدمه للسياحة بعد اكتمال موسم الحج وخروجه من ذروته السنوية. فالسائح الذي يعرف السعودية من طريق مكة والمدينة يمكن أن يكتشف، في الجنوب الغربي، صورة أخرى أقل ازدحاماً وأكثر التصاقاً بالطبيعة. غير أن هذه الصورة لا تنجح بمجرد فتح الطريق إليها. تحتاج إلى حماية بقدر ما تحتاج إلى ترويج.
السياحة البيئية السعودية لا تقوم على فكرة استبدال الحج، ولا تستطيع ذلك أصلاً. الحج والعمرة سيبقيان مركز الثقل الروحي والاقتصادي. لكن رؤية 2030 تحاول أن تمدد معنى الزيارة إلى ما بعد الشعيرة، وإلى ما بعد المدن الكبرى. وقد أعلنت الجهات السعودية أن المملكة حققت هدف 100 مليون زائر قبل موعده، ثم رفعت الطموح إلى 150 مليون زائر بحلول 2030. هذا الرقم الكبير لا يمكن أن يقوم على نمط واحد من السياحة. يحتاج إلى تنوع في الوجهات، وفي المواسم، وفي التجربة نفسها.
فرسان ليست امتداداً للبحر فقط
تضم محمية جزر فرسان، وفق مواد تعريفية رسمية وسياحية، أكثر من 200 جزيرة في جنوب البحر الأحمر. وفي عام 2021 سجلت ضمن برنامج الإنسان والمحيط الحيوي في اليونسكو، وهو اعتراف يضعها في خانة المواقع ذات القيمة البيئية لا في خانة الوجهات الشاطئية العادية. هذه النقطة مهمة. فالوجهة الترفيهية يمكن أن تتحمل قدراً من الاستهلاك إذا أُديرت تجارياً، أما المحمية فتبقى قائمة على توازن أدق بين الزيارة والحماية.
في فرسان، لا تبدو الطبيعة مجرد خلفية للصور. الشعاب المرجانية، والمانغروف، والغزلان الفرساني، والطيور المهاجرة، والمواقع التراثية مثل بيت الرفاعي ومسجد النجدي وبيت الجرمل، كلها تصنع طبقات مختلفة من الجذب. وهذا ما يمنح الجزر قدرة على مخاطبة أكثر من نوع من الزوار: من يبحث عن البحر، ومن يريد التراث، ومن يهتم بالبيئة، ومن يفضل الرحلات القصيرة الهادئة بعد موسم ديني أو زيارة عمل أو جولة داخلية.
لكن قوة فرسان في هذه الحساسية نفسها. فالجزر الصغيرة لا تحتمل نمواً سياحياً مفتوحاً بلا سقف. زيادة الرحلات وتحسين النقل والخدمات عوامل ضرورية، لكنها قد تتحول إلى ضغط إن لم ترافقها قواعد واضحة للمسارات البحرية، والنفايات، وسلوك الزوار، وعدد الرحلات اليومية في المناطق الأشد هشاشة. النجاح هنا لا يقاس بعدد القادمين وحده، بل بما يبقى من المكان بعد مغادرتهم.
المانغروف كاقتصاد لا كديكور
المانغروف في جازان وفرسان ليس تفصيلاً نباتياً. هذه الغابات الساحلية تعمل كحاجز طبيعي أمام التعرية، وكحضن لتكاثر الأسماك والكائنات البحرية الصغيرة، ومكان لمراقبة الطيور، ومساحة مناسبة لرحلات القوارب الخفيفة. لذلك فإن الحديث عنها ضمن السياحة البيئية السعودية يجب أن يكون حذراً. ما يصلح للترويج قد لا يصلح دائماً للبيئة إذا تُرك من دون تنظيم.
يمكن للمانغروف أن يفتح دخلاً محلياً حقيقياً. مرشد يعرف الممرات، صاحب قارب يلتزم بالمسارات، مشروع صغير يقدم تجربة هادئة للزائر، متجر حرفي، أو بيت ضيافة قريب من المجتمع المحلي. هذه الحلقة الصغيرة هي التي تجعل السياحة أكثر عدالة. فإذا بقيت التجربة محصورة بالمشغلين الكبار، ستتحول الطبيعة إلى واجهة، بينما يبقى السكان على الهامش.
ولهذا تبدو فرسان اختباراً لطريقة التنمية لا لجاذبية المكان فقط. السياحة البيئية التي لا تُدخل المجتمع المحلي في صلب العائد تصبح نشاطاً فوق المكان لا منه. أما حين يتدرب الشباب على الإرشاد، وتُسهل التراخيص للمشروعات الصغيرة، وتُربط حماية المانغروف بمصدر رزق منظم، يصبح الحفاظ على الطبيعة مصلحة اقتصادية يومية، لا شعاراً بيئياً عاماً.
ما بعد الحج يبدأ من إدارة الزيارة
توسيع السياحة السعودية إلى ما بعد الحج لا يعني الانتقال من القداسة إلى الترفيه بطريقة حادة. المسألة أهدأ من ذلك. المملكة تحاول أن تقول إن الزائر الذي يأتي لسبب ديني يمكن أن يجد أيضاً ثقافة ومناخاً وطبيعة وبحراً، وإن الزائر غير الديني يمكن أن يرى بلداً أوسع من الصور المتداولة عنه. فرسان، في هذا المعنى، ليست منافساً لمكة والمدينة، بل جزء من خريطة أكثر اتساعاً.
لكن الطريق إلى هذا الامتداد لا يمر بالدعاية وحدها. يحتاج إلى قدرة استيعابية، ونقل منتظم، وخدمات لا تجرح بساطة المكان، ونظام واضح لحماية المحمية. كما يحتاج إلى تفسير جيد للزائر: أين يمكنه الدخول، وأين يجب ألا يقترب، كيف يتعامل مع الشاطئ، ولماذا لا يكون المانغروف مساحة مفتوحة لأي نشاط. السياحة البيئية لا تكتمل إذا لم يفهم السائح أنه ضيف على نظام حي، لا مستهلك لمنتج معروض فقط.
فرسان تستطيع أن تكون نموذجاً سعودياً مهماً إذا بقيت الحماية جزءاً من المشروع لا ملحقاً به. فإذا تحولت المانغروف إلى أصل اقتصادي محمي، وارتبطت الرحلات بفرص محلية، وظلت الكثافة تحت السيطرة، يمكن للجزيرة أن تمنح رؤية 2030 مثالاً مختلفاً عن السياحة السريعة. أما إذا غلبت الزيادة العددية على الحساب البيئي، فسيكون الخطر أن تفقد فرسان ميزتها في اللحظة التي تصبح فيها أكثر شهرة.
الخلاصة أن فرسان والمانغروف يفتحان باباً عملياً أمام السياحة البيئية السعودية. الباب ليس واسعاً بلا حدود. هو باب يحتاج إلى إدارة دقيقة، لأن الطبيعة التي تجذب الزائر هي نفسها التي يمكن أن تتضرر منه. وما بعد الحج، بهذا المعنى، لا ينجح بمجرد إضافة وجهات جديدة إلى الخريطة. ينجح عندما تصبح الزيارة امتداداً واعياً، لا عبئاً جديداً على المكان.
اقرأ أيضاً: الحج في السعودية.. رقمنة متسارعة وخدمات موسعة لرحلة أكثر سلاسة

