لا يكفي أن تعلن دولة ما أن تحت أرضها ثروة كبيرة، فالرقم وحده لا يفتح منجماً، ولا يبني مصنعاً، ولا يقنع مستثمراً أوروبياً بأن يغامر في قطاع يحتاج إلى سنوات من الاستكشاف والتمويل والبنية التحتية. لذلك تبدو الرسالة السعودية من باريس أكثر تعقيداً من عنوانها الأول. هناك ثروة معدنية مقدرة بنحو 2.5 تريليون دولار، نعم. لكن السؤال الحقيقي هو كيف تتحول هذه الثروة من احتمال جيولوجي إلى قوة صناعية.
في منتدى “رؤية الخليج 2026” في باريس، عرض نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين، خالد بن صالح المديفر، فرص الاستثمار السعودية أمام شركاء فرنسيين وأوروبيين. لم يكن الخطاب موجهاً إلى سوق عادية. أوروبا تبحث عن المعادن الحرجة، وتريد تقليل تبعيتها لسلاسل توريد مضطربة، والسعودية تريد تثبيت التعدين كركن ثالث في اقتصادها، إلى جانب النفط والبتروكيماويات. هنا يلتقي الطرفان، لكن اللقاء لا يعني أن الطريق قصير.
فرصة التعدين لا تختصرها القيمة
الرقم السعودي المعلن ليس جديداً تماماً. في كانون الثاني 2024 رفعت المملكة تقديرات مواردها المعدنية غير المستغلة من 1.3 تريليون دولار إلى 2.5 تريليون دولار، وفق تصريحات وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريّف لرويترز. الزيادة لم تأت من الذهب والفوسفات وحدهما، بل من إدخال معادن جديدة في الحساب، بينها عناصر أرضية نادرة ومعادن مطلوبة للسيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة.
هذا مهم. التعدين اليوم لم يعد قطاعاً تقليدياً يقوم على استخراج الذهب أو النحاس فقط. صار جزءاً من معركة أوسع على الطاقة الجديدة، والبطاريات، والرقائق، والصناعات العسكرية، وتكنولوجيا الاتصالات. لذلك لا تعرض السعودية على الأوروبيين منجماً منفرداً، بل تقول لهم إن لديها قاعدة يمكن أن تدخل في سلاسل توريد عالمية تبحث عن بدائل أكثر أمناً.
في باريس، عاد المديفر إلى هذه النقطة. تحدث عن موارد تشمل الذهب والنحاس والزنك والفوسفات والألومنيوم والعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة. وتحدث أيضاً عن الصناعات اللاحقة، لا عن الاستخراج وحده. هذه ليست تفصيلة. الفرق كبير بين دولة تبيع الخام، ودولة تريد أن تبني حوله سلسلة قيمة تمتد إلى المعالجة والتصنيع والخدمات اللوجستية.
السعودية تحاول أن تبيع للمستثمر الأوروبي هذا الفارق تحديداً. ليست أرضاً مفتوحة للتنقيب فقط، بل منصة صناعية محتملة، مدعومة بالطاقة والبنية التحتية والتمويل السيادي والموانئ. لكن هذه الصورة تحتاج إلى اختبار. فالمستثمر لا يقرأ الرؤية وحدها. يقرأ القانون، والبيانات الجيولوجية، وسرعة الترخيص، وكلفة الكهرباء والمياه، ووضوح العلاقة مع الدولة، وقدرة المشروع على الخروج من مرحلة العرض إلى مرحلة التشغيل.
باريس ليست مكاناً عابراً
اختيار باريس ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فرنسا تمتلك شركات وخبرات في التعدين والمعالجة والهندسة والطاقة، وأوروبا عموماً تنظر إلى المعادن الحرجة باعتبارها مسألة أمن صناعي. منذ سنوات، تحاول القارة تقليل اعتمادها على مصادر محدودة في الليثيوم والكوبالت والعناصر النادرة. لذلك تبدو الدعوة السعودية للمستثمر الفرنسي والأوروبي جزءاً من تفاوض أوسع على موقع المملكة داخل الخريطة الجديدة للموارد.
تقول البيانات السعودية إن القطاع حقق قفزات تنظيمية ملموسة. فقد أُصدرت 61 رخصة تعدين في عام 2025 مقارنة بـ21 رخصة في 2024. كما دخلت المملكة قائمة الدول العشر الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني وفق مسح معهد فريزر لعام 2025، بعد أن وصلت إلى المرتبة العاشرة عالمياً، وكانت في المرتبة 23 في عام 2024. الرقم هنا لا يشرح كل شيء، لكنه يقول إن السعودية لم تعد تكتفي بالإعلان عن مواردها، بل تعمل على تحسين البيئة التي تحيط بها.
وهناك زاوية أخرى لا تقل أهمية. عدد شركات الاستكشاف النشطة، بحسب منصة تعدين، ارتفع من 6 شركات في 2020 إلى 226 شركة في 2024، كما بلغت رخص الاستكشاف النشطة 1108 رخص حتى نهاية 2025 مقارنة بـ500 رخصة في 2020. هذه الأرقام تعطي الانطباع بأن القطاع بدأ يخرج من الإطار الحكومي الضيق إلى حركة أوسع من الشركات والمستكشفين. لكنها لا تلغي السؤال الصعب. كم من هذه الرخص سيصبح مشروعاً منتجاً فعلياً؟
في التعدين تحديداً، المسافة طويلة بين رخصة الاستكشاف والمنجم العامل. قد تظهر البيانات واعدة، ثم تفشل الجدوى. وقد ينجح الاستكشاف، ثم تتعثر البنية التحتية أو التمويل أو القبول البيئي. لذلك لا يجوز التعامل مع رقم 2.5 تريليون دولار كدخل جاهز. هو تقدير للموارد، وليس مالاً في الخزينة. الفرق بين الاثنين هو كل السياسة الاقتصادية.
ما الذي تريده السعودية؟
تريد السعودية من التعدين أكثر من مورد جديد للدخل. هذا هو جوهر المسألة. فالرؤية الرسمية تتعامل مع القطاع بوصفه جزءاً من تنويع الاقتصاد، وتوسيع القاعدة الصناعية، وربط الصناعة بالتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية ضمن برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية. أي إن التعدين هنا لا يُقدَّم كقطاع معزول، بل كمدخل لبناء صناعات لاحقة، وتوطين تقنيات، وتوسيع الصادرات غير النفطية.
تظهر هذه الرغبة أيضاً في التحرك الخارجي. شركة منارة المعادن، وهي مشروع مشترك بين معادن وصندوق الاستثمارات العامة، أُنشئت للاستثمار في المعادن الحرجة خارج المملكة. ووفق رويترز، كان أول تحرك كبير لها صفقة استحواذ على حصة 10 في المئة بقيمة 2.5 مليار دولار في Vale Base Metals. كما تحدث وزير الصناعة عن خطط لفصل منارة عن الصندوق لرفع قدراتها الفنية، لا إبقائها مجرد أداة استثمارية.
هذا يوضح أن السعودية لا تنظر إلى التعدين المحلي وحده. هي تريد موقعاً داخل سوق عالمي للمعادن الحرجة. محلياً، تطور الاستكشاف والمعالجة. خارجياً، تبحث عن أصول وشراكات. وبين الاثنين، تحاول أن تقدم نفسها لأوروبا كدولة يمكن أن تكون مورداً وشريكاً ومركز معالجة في الوقت نفسه.
لكن المصالح الأوروبية ليست خيرية. المستثمر الأوروبي يريد عائداً، وضمانات، ومعايير بيئية، واستقراراً تنظيمياً. والدول الأوروبية تريد سلاسل توريد أقل تعرضاً للصدمات. أما السعودية فتريد رأس مال وتقنية وخبرة وأسواقاً. كل طرف يرى في الآخر حاجة ما. هنا تكمن فرصة التعاون، وهنا أيضاً تكمن حدودها.
الاختبار الفعلي سيكون في القيمة المضافة. إذا بقيت المشاريع عند حدود استخراج الخام وبيعه، فسيكون التعدين تنويعاً محدود الأثر. أما إذا ارتبط بالاستخلاص والمعالجة والتصنيع والتصدير، فسيصبح جزءاً من انتقال اقتصادي أعمق. السعودية تعرف ذلك، ولهذا تركز في خطابها على سلاسل القيمة، لا على الحفر وحده.
تبقى نقطة لا يمكن تجاوزها. التعدين قطاع قاس على الأرض والماء والمجتمعات المحلية إن لم يُضبط بسياسات واضحة. المملكة تقول إنها تطور التشريعات والاستدامة والحوكمة، وهذه عناصر ضرورية لجذب المستثمر. لكنها أيضاً ضرورية لحماية الداخل. فالمشروع الناجح لا يقاس فقط بحجم الاستثمار، بل بكلفة استخراجه، وبفرص العمل التي يخلقها، وبمقدار ما يتركه من معرفة وصناعة داخل البلد.
الخلاصة أن حديث باريس عن فرصة تعدين بـ2.5 تريليون دولار ليس مجرد عرض استثماري. هو إعلان عن اتجاه سعودي يريد نقل التعدين من خانة الموارد المدفونة إلى خانة القوة الصناعية. الرقم كبير، لكنه لا يكفي. ما سيحسم الأمر هو قدرة المملكة على تحويل الرخص إلى مناجم، والمناجم إلى مصانع، والمصانع إلى موقع ثابت في سلاسل التوريد العالمية.
باريس فتحت الباب أمام المستثمر الأوروبي. أما الاختبار فسيكون في الأرض، حيث لا تكذب الجيولوجيا، ولا ترحم الكلفة، ولا تكفي الوعود وحدها.
اقرأ أيضاً: ملاعب أوروبا تشهد صدمة تاريخية .. كبرى الأندية الأوروبية مهددة بالهبوط 2026

