لطالما كانت الألعاب الإلكترونية تستحوذ على الانتباه بالكامل منذ أن ظهرت، إلا أنها تحولت إلى سوق عالمي يحقق مليارات الدولارات، بل حتى يقفز بالتريندات على السوشال ميديا. ومع تطوير نسخ الألعاب، تربعت بعضها على عرش الجاذبية لتخلق بينها وبين اللاعبين نوعاً من الإدمان. وحديثنا هنا يتركز حول لعبة GTA 6 التي كان عشاقها على موعد مع عرضها الترويجي في 27 أغسطس.
وقد يعتقد كثيرون أن المادة الجذابة في النسخة الجديدة هي اللعبة بحد ذاتها التي تعتمد بالعادة على جرائم اللعبة أو العنف أو عالمها المفتوح، والتي كانت سبباً في إثارة الجدل في السلاسل السابقة للعبة. غير أن ما كشفته روكستار، الشركة المنتجة لها، حول إمكانية تحكم اللاعب بالعلاقة العاطفية بين بطلي اللعبة جيسون دوفال ولوسيا كامينوس هو ما كان مثيراً للجدل.
وفي الحقيقة، العلاقات بين شخصيات اللعبة ليست شيئاً جديداً في ألعاب الفيديو، وخصوصاً في سلسلة GTA. لكن ما جعل الموضوع مختلفاً هو أن بعض اللاعبين بدأوا ينظرون إلى هذه العلاقة من زاوية الحياة الواقعية، ووصل الأمر إلى ظهور مستخدمين على تيك توك يقولون إنهم لا يريدون لشركائهم لعب GTA 6 أصلاً.
جيسون ولوسيا.. علاقة افتراضية تشعل الغيرة في الواقع
أكثر ما أثار الجدل هو التفاصيل التي أعلنت عنها روكستار حول النظرة الموسعة إلى GTA 6، والعلاقة بين أبطال اللعبة جيسون ولوسيا. والشخصيتان ليستا مجرد شريكين في تنفيذ الجرائم، بل يمكن للاعب أن يمنحهما مساحة أكبر لتطوير علاقتهما.
حيث يمكنهما قضاء الوقت معاً، وركوب السيارة، والهروب من الشرطة، وارتكاب الجرائم، والتواصل عبر الرسائل، بل وحتى الذهاب في مواعيد غرامية وإمساك أيدي بعضهما.
وفكرة نمو علاقتهما بالقدر الذي يبذله اللاعب من وقته لبناء هذه العلاقة هي ما دفعت ببعض مستخدمي السوشال ميديا للنظر إلى الموضوع بطريقة مختلفة.
فقد انتشرت على تيك توك مقاطع لمستخدمات يقلن إنهن لن يسمحْن لشركائهن بلعب اللعبة بسبب طبيعة العلاقة بين جيسون ولوسيا. ودفعت اللعبة بإحدى المستخدمات إلى القول إن اللاعب سيكون مطالباً بمراسلة الشخصية والاهتمام بها والذهاب معها في مواعيد والحفاظ على العلاقة، وهو ما اعتبرته نوعاً من “الخيانة”.
ولم تتوقف الفكرة عند مقطع واحد، إذ بدأت تنتشر بين صناع محتوى آخرين، ووصف بعضهم الاهتمام بعلاقة جيسون ولوسيا بأنه أشبه بخيانة الشريك في الحياة الواقعية.
لكن قبل أن نأخذ الأمر على محمل الجد بطريقة كبيرة، لا بد من التذكير بتفصيل صغير أكدته الشركة المطورة ولم تتنبه له صانعات المحتوى على تيك توك ممن هاجموا اللعبة، وهي أن اللاعب ليس مجبراً على تطوير العلاقة.
فبحسب ما أوضحته روكستار، تبدأ الشخصيتان برغبة في بناء علاقة، لكن اللاعب هو من يقرر إلى أي درجة ستتطور. وإذا لم يهتم كثيراً بهذا الجانب، فلن تصبح العلاقة قوية بالقدر نفسه، لكن جيسون ولوسيا سيواصلان دعم بعضهما عندما تواجههما المشاكل.
أما إذا اختار اللاعب الاهتمام بعلاقتهما وتطويرها، فستصبح تجربة اللعب بينهما أكثر قرباً. وهذا ما تحدث عنه روب نيلسون، الرئيس المشارك لاستوديو Rockstar North، وأوضح أن اللاعب عندما يجمع الشخصيتين معاً يبدأ بالشعور وكأنه مسؤول عن علاقتهما وحمايتهما كثنائي.
والفكرة هنا قائمة على أن اللاعب لا يتحكم فقط بشخصيتين تنفذان المهام، بل يبدأ مع الوقت بالشعور بأن بينهما علاقة يجب الحفاظ عليها. سواء كانا في السيارة، أو يهربان من الشرطة، أو يدخلان في مشكلة، أو حتى ينتظر أحدهما الآخر، فإن وجودهما معاً يعطي اللعبة جواً مختلفاً. لذلك يمكننا فهم سبب تفاعل البعض مع الفكرة، حتى لو كان وصفها بأنها “خيانة” في الحياة الواقعية يبدو مبالغاً فيه.
الجانب العاطفي في علاقة جيسون ولوسيا
وفي الوقت الذي بدأت تتضح بعض تفاصيل العلاقة بين أبطال اللعبة، لا تزال هناك بعض الجوانب التي لم تكشف عنها روكستار بشكل كامل، خصوصاً ما يتعلق بتطور العلاقة بين الشخصيتين مع تقدم أحداث اللعبة.
وأظهرت المواد الترويجية وجود لحظات عاطفية بينهما، لكن الشركة لم توضح حتى الآن مدى تدخل اللاعب في تطور هذه العلاقة، وما إذا كانت بعض هذه المواقف ستظهر تلقائياً ضمن أحداث القصة، أم ستكون مرتبطة بالاختيارات التي يقوم بها اللاعب أثناء اللعب.
وعند الحديث عن هذا الجانب، أوضح روب نيلسون، أحد المسؤولين في Rockstar North، أن العلاقات بين الشخصيات جزء مهم من تجربة اللعبة، وأن فريق التطوير يعمل على تقديمها بطريقة مناسبة ومنسجمة مع القصة، مع استمرار اختبار الأفكار وتعديلها قبل الوصول إلى الشكل النهائي.
وتتعامل روكستار مع هذا النوع من التفاصيل بحذر، خصوصاً أن سلسلة GTA واجهت في السابق انتقادات وجدلًا بسبب بعض المحتويات. ففي GTA 4، كانت بعض العلاقات بين الشخصيات تتطور مع تقدم اللعبة وتظهر من خلالها مواقف عاطفية، بينما شهدت GTA: San Andreas عام 2005 تجربة مثيرة للجدل، دفعت الشركة فيما بعد إلى مواجهة مشكلات قانونية وتسويقية واسعة بعد اكتشاف محتوى محذوف داخل ملفات اللعبة وإعادة تفعيله بواسطة صانعي التعديلات.
لذلك يبدو أن روكستار تعلمت من تجاربها السابقة، وأصبحت أكثر حذراً في التعامل مع مثل هذه التفاصيل، ومن غير المتوقع أن تكرر التجارب التفاعلية التي أثارت الجدل في الماضي. وحتى الآن، لا توجد معلومات مؤكدة تشير إلى أن GTA 6 ستقدم محتوى مشابهاً بالطريقة التي شهدتها الأجزاء السابقة.
ومن الأمور الملفتة للانتباه أن الجدل حول هذه التفاصيل بدأ قبل أن يعرف اللاعبون جميع جوانب اللعبة أصلاً. وربما يعود جزء من هذا الاهتمام إلى طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي نفسها، إذ أصبحت GTA 6 من أكثر الألعاب المنتظرة، ما يجعل أي معلومة صغيرة عنها قابلة للانتشار وتحويلها إلى نقاش واسع.
ومن المتوقع أن تزداد موجات الجدل مع اقتراب موعد إطلاق اللعبة، لأن كل تفصيل من اللعبة يمكن أن يكون مادة خاماً لبدء نقاش طويل وعريض حوله، خصوصاً مع الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها اللعبة، وفقرة الشخصيات وعلاقاتها وطريقة تفاعل اللاعبين معها.
لعبة لم تصدر بعد.. لكنها تحرك سوق أجهزة الألعاب
لا يمكن أن نختصر الحديث عن لعبة بحجم GTA حول علاقة جيسون ولوسيا، على الرغم من أنها تفصيلة غريبة، لكن ما يمكن قوله حول اللعبة، وينقل واقعها بتجرد كبير، هو حجم مبيعات أجهزة الألعاب نفسها.
فبعد نشر النظرة الموسعة للعبة في نهاية أغسطس، ارتفعت مبيعات أجهزة PS5 في المملكة المتحدة بنسبة 33% في الأسبوع، بينما زادت مبيعات Xbox Series X|S بنسبة 34%.
والأغرب أن جهاز Nintendo Switch 2 شهد أيضاً ارتفاعاً يقارب 33%، رغم عدم وجود نسخة من GTA 6 مخطط لإصدارها عليه.
هذا يعكس ما تفعله لعبة واحدة بسوق الألعاب، فالاستعدادات للعبة تبدو غير منطقية للبعض، لكنها في الوقت نفسه تظهر حجم الترقب والانتظار الذي صنعته الشركة المطورة حول لعبتها الجديدة.
اقرأ أيضاً: صفقة «إلكترونيك آرتس» بـ55 مليار دولار: ماذا تشتري السعودية فعلياً في صناعة الألعاب؟
تطور لعبة GTA عبر السنوات
حتى نستطيع فهم الحالة التي تعيشها اللعبة، يجب قراءة تاريخ السلسلة التي أوصلتها لهذه الشهرة. فقد ظهرت لعبة GTA للمرة الأولى عام 1997، وقدمت للاعبين عالماً مليئاً بجرائم الشوارع والسرقة والعصابات والقيادة المتهورة وتدمير الممتلكات. وكانت الجرأة والعنف من أكثر العناصر التي أثارت الجدل حولها، لكنهما في الوقت نفسه ساعدا على بناء هوية السلسلة.
ومع مرور السنوات، أصبحت GTA أكثر من مجرد لعبة عن الجريمة. أصبحت عوالمها الواسعة وشخصياتها المعقدة وطريقتها في السخرية من المجتمع والسياسة والثقافة جزءاً من سبب نجاحها.
وفي GTA 6، تأخذ روكستار اللاعبين إلى ولاية ليونيدا الخيالية، المستوحاة من جنوب فلوريدا، حيث عالم مختلف مليء بالحفلات واليخوت والسيارات والرقص والحياة الفاخرة، إلى جانب المشاهد الغريبة التي أصبحت علامة مميزة للسلسلة، مثل التماسيح التي تظهر في أماكن غير متوقعة.
أما الترقب، فقد ظهر منذ العروض الأولى للعبة. ووصل العرض الدعائي الثاني وحده إلى نحو نصف مليار مشاهدة خلال يومه الأول، وهو رقم يوضح أن الاهتمام بـGTA 6 لا يقتصر على جمهور ألعاب الفيديو فقط.
وهذا منطقي عندما نعرف حجم العائدات المادية التي تحملها اللعبة. فمنذ إطلاق GTA 5 عام 2013، باعت اللعبة قرابة 230 مليون نسخة حول العالم، وعاشت عبر ثلاثة أجيال من أجهزة الألعاب، وتحولت من لعبة ناجحة إلى ظاهرة ترفيهية مستمرة لأكثر من عقد.
وحققت GTA 5 نحو 800 مليون دولار في يومها الأول، ثم تجاوزت حاجز المليار دولار خلال ثلاثة أيام فقط. أما GTA 6، فتبدأ أسعارها من 79.99 دولاراً للنسخة القياسية، بينما تصل النسخة الأعلى إلى 99.99 دولاراً، وتتضمن محتوى إضافياً مثل المركبات والأسلحة والملابس والمكافآت المرتبطة بجيسون ولوسيا. كما يحصل أصحاب الطلبات الرقمية المسبقة على شهر مجاني من خدمة GTA Plus.
وأكثر ما يلفت الانتباه في النسخة الحالية للعبة هو استخدامها للتوزيع الرقمي بدلاً من التقليدي، حيث إن النسخة التي ستصل إلى المتاجر ستأتي داخل صندوق من دون قرص، وستحتوي على رمز رقمي لتنزيل اللعبة. وهذا يعكس التحول الكبير الذي يضرب صناعة الألعاب، والقائم على فكرة التوزيع الرقمي بدلاً من الأقراص العادية.
من GTA 6 إلى السعودية.. صناعة الألعاب تكبر في المنطقة
كل هذا يحدث في وقت لم تعد فيه ألعاب الفيديو مجرد وسيلة ترفيه صغيرة. الصناعة أصبحت واحدة من أكبر قطاعات الترفيه عالمياً، وبلغت إيراداتها نحو 201.6 مليار دولار خلال عام 2025.
والغريب أن ألعاب الهواتف تستحوذ على الحصة الأكبر، بإيرادات وصلت إلى نحو 113.3 مليار دولار، مقابل 44.7 مليار دولار لألعاب أجهزة المنزل و43.6 مليار دولار لألعاب الحاسب الشخصي. وهذا ما يجعل الهاتف المنصة الأساسية للألعاب، وأحد محركاتها، بسبب سهولة اللعب فيه، وانتشاره بين المستخدمين.
وفي المنطقة العربية، تبرز السعودية والإمارات ومصر كأكبر ثلاثة أسواق عربية للألعاب. فقد بلغ إنفاق اللاعبين في الدول الثلاث نحو ملياري دولار خلال 2024 على شراء الألعاب والاشتراكات والمحتوى الرقمي والمشتريات داخل الألعاب، مع توقعات بارتفاع الإنفاق إلى 2.2 مليار دولار في 2025، ثم إلى نحو 2.8 مليار دولار بحلول 2029.
أما عدد اللاعبين، فقد وصل إلى نحو 72 مليون لاعب في نهاية 2024، ومن المتوقع أن يرتفع إلى نحو 84.3 مليوناً خلال السنوات الخمس التالية.
غير أن للسعودية دورها المستقل في هذه الصناعة، حيث تجاوزت فكرة الاكتفاء بشراء الألعاب، ودخلت في عالم صناعتها من خلال الاستثمار في الشركات العالمية، وتطوير الاستوديوهات المحلية، ودعم الألعاب والرياضات الإلكترونية.
وتؤدي مجموعة سافي للألعاب، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، دوراً أساسياً في هذا التوجه، من خلال الاستحواذات والاستثمارات ومحاولة بناء منظومة متكاملة لصناعة الألعاب داخل المملكة.
ومن أبرز الصفقات استحواذ المجموعة على شركة Scopely الأميركية مقابل 4.9 مليار دولار، وهي الشركة المعروفة بألعاب مثل Monopoly Go وStumble Guys وStar Trek: Fleet Command.
والفكرة أن الاستثمار ليس طريقها الوحيد في ألعاب الفيديو، حيث أصبحت الرياضات الإلكترونية أيضاً جزءاً مهماً من هذا التوجه. ففي عام 2023 أُعلن إطلاق كأس العالم للرياضات الإلكترونية، واستضافت الرياض نسخته الأولى في 2024، بمشاركة أندية ولاعبين محترفين من دول مختلفة.
وفي عام 2026، تنتقل الفكرة إلى مستوى آخر مع استضافة الرياض النسخة الأولى من كأس الأمم للرياضات الإلكترونية بين 2 و29 نوفمبر، وهي بطولة تختلف عن كأس العالم في أن المنافسة فيها تكون بين منتخبات وطنية، وليس الأندية، حيث تضم البطولة الأولى 16 لعبة، بعد تصفيات دولية لاختيار المشاركين.
باختصار، ما يمكن أن نفهمه من جدل لعبة GTA 6 أن سوق الألعاب الرقمية هو السوق الأكثر شهرة ورواجاً في عالم الرقميات اليوم. فالجلوس اليوم أمام شاشات الموبايل، وانتظار صدور لعبة لشرائها، أصبح سوقاً مالياً كبيراً تقوم عليه دول، وتسعى أخرى لتطويره.
اقرأ أيضاً: كود ناين يرسم مستقبل صناعة الألعاب الإلكترونية في السعودية

