منبع الطيب والروائح الزكية، قرية ذي عين التاريخية في منطقة الباحة، إحدى أبرز القرى التراثية ضمن المملكة العربية السعودية، وتتميز بمبانيها البيضاء المشيدة بالحجر الجيري، لتشكل مرآة تعكس جمال وعراقة العمارة السعودية القديمة.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
قرية ذي عين أعجوبة الباحة
تتربع قرية ذي عين ضمن منحدر عقبة الملك فهد، ذلك الطريق الذي يصل سراة الباحة بتهامتها، بمسافة تُقدر بحوالي 20 كم من منطقة الباحة، ويُقدر عمرها بما يزيد عن 400 عام، أي أنها تعود إلى أواخر القرن العاشر للهجرة، وفقاً لبيانات منظمة اليونسكو.
وتعود تسميتها إلى وجود عين ماء دافقة لا تجفّ، تستخدم لري مزارع القرية المزيّنة بأشجار الموز وعبق الريحان، فانسياب مياهها من الجبال المجاورة إلى عدة أماكن ضمن القرية، مكن الأهالي من زراعة نباتات متنوعة كالعطرية والليمون والكادي وغيرها من الأشجار، التي شكلت صورة طبيعية خلابة تحكي عراقة ممزوجة بالجمال الريفي القديم.
وتتمحور حول هذه العين عدة حكايا تتفق جميعها على أنها منحة ربانية وأعجوبة تتميز بها الجزيرة العربية، ورغم محاولات الخبراء اكتشاف سرها إلا أنها بقيت غامضة حتى يومنا هذا، بينما تدور القصة التاريخية التي تتناقلها الأجيال حول رجل فقد غمد سيفه المملوء بالذهب، حيث كان يتكئ عليه فوق أرض هشة، عندها سقطت في عين ماء جارية فبقي يتابعها حتى وصل إلى قرية “ذي عين”، هناك أخبر الناس بأنه يملك مهارة التبصير وأنه قادر على تحديد مكان ماء غزير لا يجف، شريطة أن يكون أول ما يخرج من نصيبه، فوافقه الناس وبدؤوا بالحفر حتى انفجرت المياه وخرج معها الغمد الذي فقأ إحدى عينيه ولكنه لم يكترث، بعد ذلك تقول الأسطورة أنه قتل على يد مجموعة من الأشخاص علموا بوجود جنيهات الذهب معه.
مساحات زراعية غنية
تشتهر القرية برائحتها الزكية التي تفوح من نباتاتها العطرية والتي يقدر عددها بما يزيد عن 100 شتلة من الريحان والكادي، وحوالي 5000 شجرة موز، ما جعلها محط أنظار عشاق العطر الطبيعي والجمال الأخاذ، لتكون بذلك مقصداً سياحياً سعودياً هادئاً يجذب السياح من كل حدب وصوب.
وتقدر مساحة أراضي القرية الزراعية بحوالي 75000 متر مربع، ويصل إنتاج الموز السنوي فيها إلى ما يزيد عن ثمانية أطنان، فيما تكون ذروته خلال الصيف، بينما يبلغ إنتاجها من نباتات الكادي نحو 21500 زهرة، والذي يشتد عطاؤه خلال شهر تشرين الأول.
وتُنسج حول العين التراثية قصص وأساطير شعبية عديدة، نتيجة لغزارة مياهها المتواصلة منذ مئات السنين، وقد اعتمد الأهالي بفضلها نظام ريٍّ يضمن توزيع المياه والسقاية بشكل متناسق وعادل.
عمارة فريدة وحصون منيعة
تتباهى القرية بطراز معماري حجري فريد، فهي مسقوفة بأشجار العرعر المنقولة من الغابات المحيطة بها، ويصل عدد مبانيها إلى 85 منزلاً، وجميعها مشيّدة من صخور الجرانيت المتماسكة والمأخوذة من الجبال المجاورة، بعضها يتألف من خمسة طوابق، وتزيّن واجهاتها بحجر المرو الأبيض.
كما يتمركز فيها حصنان دفاعيان شيّدا قديماً لأغراض المراقبة والحماية، لذلك يتخذان موقعاً مرتفعاً عن المباني، للكشف على كامل المنطقة المجاورة، وحماية القرية من الغارات أو المعارك المحتملة في ذلك الوقت.
إلى جانب المنظر الجذاب للمنازل المتراصة مع بعضها البعض والتي تعكس العبقرية الهندسية القديمة، تبرز الوديان الأخّاذة، بمياهها المتكونة بفعل العوامل الطبيعية والجوية المختلفة، تلك الوديان من أهم مقومات القرية السياحية أيضاً.
وجهة سياحية شتوية
تعتبر قرية ذي عين من الوجهات السياحية الشتوية البارزة على مستوى المملكة العربية السعودية، وذلك نظراً لمناخها الحار صيفاً والمعتدل شتاءً، نتيجة لتمركزها ضمن منطقة منخفضة في تهامة العليا التابعة لمدينة الباحة.
كما تتميز بغزارة أمطارها في فصل الصيف نتيجة لموقعها المدهش بين مجموعة من الكتل الجبلية، الأمر الذي يؤدي إلى هطولها بمعدلات كبيرة، في المقابل يميل الجو إلى الاعتدال والتوسط بهطول الأمطار شتاء، فيما يصل ارتفاع القرية عن سطح البحر إلى نحو 1985 متراً.
وتحظى قرية ذي عين حالياً على اهتمام حكومي ملحوظ يتجلى في جهود الهيئة التراثية السعودية، لوضع الخطط والاستراتيجيات لتأهيلها وترميمها بشكل يعكس حضارة المملكة وأصالة هويتها التراثية، لتكون إحدى أبرز القرى التاريخية ذات الجذب السياحي المحلي والعالمي.
اقرأ أيضاً: قرية الجنادرية: اجتماع التراث بالاستثمار في قلب الرياض

