في أعماق البحر الأحمر، لا تمثل الشعاب المرجانية مجرد مشهد طبيعي يجذب الغواصين والزوار، بل تعد جزءاً من منظومة بيئية شديدة الأهمية، ترتبط بالتنوع الحيوي والثروة البحرية والتوازن البيئي. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الأبحاث التي تستهدف حماية المرجان وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات التي تهدد بقاءه. وفي هذا السياق، كشفت دراسة علمية أجراها باحثون في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية “كاوست” عن إمكانية تهيئة المرجان لمقاومة الأمراض قبل تعرضه لها، في خطوة تفتح المجال أمام وسائل استباقية لحماية الشعاب المرجانية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الضغوط البيئية.
ذاكرة مناعية لدى المرجان
وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة “ISME Host Microbe” أن المرجان الذي تعرض سابقاً لجرعات غير مميتة أو لأشكال غير نشطة من أحد العوامل الممرضة، أصبح أكثر قدرة على مقاومة العامل المسبب للمرض نفسه عند التعرض له لاحقاً. وتعرف هذه العملية باسم “التهيئة بالعامل الممرض”، وهي تشبه من حيث المبدأ فكرة اللقاحات التي تساعد الجسم على التعرف على مسببات الأمراض والاستعداد لمواجهتها مستقبلاً، إلا أن أهمية الاكتشاف تكمن في أنه يقدم دليلاً على وجود استجابة وقائية لدى المرجان رغم افتقاره إلى جهاز المناعة التكيفي الموجود لدى الإنسان والفقاريات.
ولا تقتصر هذه الاستجابة على المرجان نفسه، إذ أظهرت النتائج أن التأثير الوقائي يمتد إلى “الميكروبيوم”، وهو مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش على المرجان وداخله وتؤدي دوراً في المحافظة على صحته.
البحر الأحمر.. ثروة بيئية تحتاج إلى الحماية
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية، التي تمتلك امتداداً ساحلياً واسعاً على البحر الأحمر يضم نظماً بيئية بحرية غنية بالشعاب المرجانية والكائنات البحرية. وتشكل الشعاب المرجانية موطناً لعدد كبير من الكائنات البحرية، كما تسهم في الحفاظ على التوازن البيئي، ولذلك فإن تراجع صحتها لا يمثل خسارة جمالية أو سياحية فقط، بل قد ينعكس على منظومة بحرية متكاملة.
وتزداد أهمية هذه الجهود في ظل ارتفاع درجات حرارة المحيطات والتغيرات البيئية التي أصبحت من أبرز الضغوط التي تواجه الشعاب المرجانية حول العالم، إلى جانب الأمراض التي يمكن أن تنتشر بسرعة داخل المستعمرات المرجانية وحضانات إعادة التأهيل.
من العلاج بعد المرض إلى الوقاية قبله
ويحاول النهج الذي طوره باحثو “كاوست” نقل حماية المرجان من مرحلة التعامل مع المرض بعد ظهوره إلى محاولة تجهيز المرجان مسبقاً لمواجهته. وفي حال أثبتت الدراسات اللاحقة فاعلية التقنية على أنواع إضافية من المرجان وتحت ظروف بيئية مختلفة، يمكن توظيفها مستقبلاً في حضانات المرجان وبرامج استعادة الشعاب والمواقع البحرية ذات الأهمية البيئية العالية.
ويعمل الفريق البحثي على توسيع نطاق التجارب لتشمل أنواعاً أخرى من المرجان وعوامل ممرضة وظروفاً بيئية مختلفة، إلى جانب التقدم بطلب للحصول على براءة اختراع لاستخدام تقنية التهيئة بالعوامل الممرضة في تعزيز مقاومة المرجان للأمراض.
ولا تقف أهمية هذا الاكتشاف عند حدود المختبر، إذ إن حماية المرجان تعني الحفاظ على جزء من الثروة الطبيعية التي تميز البحر الأحمر، وعلى منظومة بيئية تشكل عنصراً مهماً من التنوع الطبيعي في السعودية. وتوضح نتائج الدراسة أن مستقبل حماية الشعاب المرجانية قد لا يعتمد فقط على إنقاذ المستعمرات المتضررة، بل يمكن أن يتجه نحو بناء قدرة وقائية لديها قبل تفشي الأمراض.
ومن هنا، تتحول الأبحاث العلمية التي تجريها المؤسسات السعودية إلى إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في فهم البيئة البحرية وحمايتها، بما يعزز استدامة الموارد الطبيعية ويدعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على البحر الأحمر بوصفه أحد أبرز النظم البيئية البحرية في المنطقة.

