شهد المسار الموسيقي في المملكة العديد من التحولات الجذرية خلال العقود الأخيرة، حيث بدأ حضوره في إطار محدود داخل المدارس والأنشطة الطلابية، فكانت الحصص الفنية والمسرحية هي البوابة الأولى لتجارب الشباب في الغناء والعزف.
مر الوقت، فبرزت مبادرات فردية وهواة شكلوا نواة الحركة الموسيقية المحلية التي اعتمدت على الجهود الذاتية، وقد وجدت مساحتها في الجلسات الخاصة أو عبر المنصات الرقمية، وبالتزامن انطلاق رؤية السعودية 2030، تسارع هذا التطور بشكل ملحوظ، إذ تم تأسيس هيئات ثقافية وفنية تهدف إلى رعاية المواهب، وافتتاح معاهد موسيقية تقدم تعليم أكاديمي منظم، إلى جانب تنظيم فعاليات ومسابقات تشجع على الاحتراف. وقد بلغ هذا المسار ذروته مع إطلاق المهرجانات الموسيقية الكبرى مثل “ميدل بيست” في الرياض، التي استقطبت نجوم عالميين ومنحت الفنانين السعوديين منصة غير مسبوقة للظهور.
إدخال الموسيقى إلى المدارس وتطوير المسار الموسيقي في المملكة
تم إدخال الموسيقى إلى المدارس السعودية بشكل رسمي قرابة العام 2022، الموسيقى في مناهج التعليم على منصة مدرستي، لتكون متاحة لطلاب المراحل المتوسطة والثانوية، وتم التركيز على حصص الموسيقى العملية في المراحل المبكرة في التعليم وليس فقط على المنصات التعليمية.
استراتيجية التطوير استهدفت تأهيل المعلمين في الفنون الموسيقية لينقلوها بدورهم إلى الطلاب في جميع المراحل الدراسية، إضافة إلى تطوير مناهج دراسية متخصصة بالموسيقى، يدرسها الطلاب، وتسهم في تأسيسهم على المهارات الموسيقية الأساسية التي يحتاجون إليها لتعلم أي آلة موسيقية.
قد بدأت الاستراتيجية بإقامة برامج تأهيلية للمعلمين من ضمنها استقطاب أكثر من 15 ألف معلمة رياض أطفال من مختلف المناطق في المملكة على عدة مراحل لتطوير كفاءاتهن، وبناء مهاراتهن المعرفية والأدائية المرتبطة بتنفيذ الأنشطة الموسيقية الموجهة للأطفال، وتعريفهن على خصائص الصوت والمصطلحات المرتبطة به لبناء شخصية الطفل، وتكوين الذائقة الجمالية لديه.
جرى إطلاق أول دبلوم معتمد للموسيقى، كجزء من خطة السعودية لتعليم الموسيقى في مختلف القطاعات التعليمية دشن معهد “البيت الموسيقي” في مدينة الرياض أول برنامج دبلوم موسيقي معتمد في السعودية لتأهيل الخريجين للعمل بصفتهم “معلمي موسيقى” بالمدارس، كجزء من مستهدفات خطط التنمية الثقافية وتطوير هواة الموسيقى أكاديمياً ليتمكنوا من نقل معارفهم إلى الآخرين.
اقرأ أيضاً: تمويل التعليم في المملكة.. يتوّسع ليشمل الدكتوراه مستقبلاً
برامج استقطاب المواهب … جزء من تطوير المسار الموسيقي
مع خطط لتأسيس الأطفال وطلاب المدارس في المهارات الموسيقية وتأهيلهم من خلال المناهج الدراسية، عملت هيئة الموسيقى كذلك على استقطاب المواهب الحالية ودعمهم ومساعدتهم على بدء مسيرتهم الفنية، عبر برامج عدة آخرها برنامج “موجة” بالتعاون مع منصة أنغامي.
قدّم لبرنامج سلسلة من ورشات العمل المختارة بعناية يشرف عليها نُخبة من المدربين والخبراء في هذا المجال، يزودون المتلقي بالمهارات الأساسية التي تساعده في الانطلاق نحو الاحترافية المهنية في عالم الموسيقى، والمستهدف من ذلك تخريج ما يصل إلى 100 موهبة استثنائية في عالم الفن والموسيقى.
يأتي هذا البرنامج ضمن إطار عمل شامل، مُصمم لتوجيه الفنانين الطموحين إلى إنشاء موسيقى فريدة، عبر رحلة متكاملة يقدمونها لاكتشاف جوانب مختلفة منها كتابة الأغاني، والتلحين، والإنتاج، والتوزيع والدمج، بإشراف ذوي الخبرة من المنتجين ومهندسي الصوت، والمغنّين والملحّنين.
صرح رئيس قسم الإنتاج في “أنغامي” (كميل أبي خليل) بأن “البرنامج سيأخذ المشهد الموسيقي السعودي إلى بُعد آخر يثري هذا القطاع الأساسي عن طريق صقل وتعزيز مهارات الفنّانين المحليين ولتمكينهم من إحداث الأثر المنتظر على المسرح العالمي، وستتمكن المواهب من إظهار قدراتهم على المستوى العالمي، ما سيساعد في ترسيخ دور السعودية بوصفها مركزاً موسيقياً ناشطاً ومبتكراً على الخريطة الإقليمية والدولية”.
اقرأ أيضاً: «موسيقاي» أول منصة رقمية عالمية مبتكرة لتعليم الموسيقى
المهرجات الموسيقية الرائدة في المملكة
أقيمت في السعودية العديد من المهرجانات الموسيقية الداعمة للمجال الموسيقي، من أبرز هذه الفعاليات “موسم الرياض” الذي يعد أكبر حدث ترفيهي في المملكة برعاية المستشار تركي آل الشيخ، حيث يضم حفلات موسيقية عالمية وعربية استضافت فنانين كبار، مساهماً في ترسيخ الرياض كوجهة عالمية للفنون الحية.
لدينا كذلك “موسم جدة”، يطل من خلال حفلات موسيقية تجمع بين الفن والتراث والأنشطة السياحية، ما يعزز دعم الفنانين المحليين، إضافة مهرجان Soundstorm MDLBEAST في الرياض وهو أكبر مهرجان للموسيقى الإلكترونية في الشرق الأوسط، ويتيح فرصة للمواهب السعودية للانطلاق على المسرح بجانب أسماء عالمية.
في المنطقة الشرقية، يقدم “موسم الشرقية” فعاليات موسيقية وحفلات متنوعة تربط بين الموسيقى والترفيه، بينما أصبحت “العُلا “من خلال مهرجانات مثل “شتاء طنطورة” مركز للفنون والموسيقى العالمية، مستضيفةً العديد من الفنانين العالميين وسط طبيعتها الساحرة.
ختاماً، تطوير المسار الموسيقي في المملكة مرّ بمراحل مختلفة، تكللت بوصول السعودية للعالمية عبر استضافتها لكبار النجوم العالمين في المهرجانات المقامة على أراضيها، ورؤية 2030 كانت داعم لهذا التطور وأساس له من المدارس للمهرجانات.

