لم يعد التعصب الرياضي في السعودية يقتصر على مجرد خلافات بين المشجعين حول نتيجة مباراة، بل أصبح مشكلة تتعلق بكيفية تقديم الرياضة في وسائل الإعلام، وسلوك المشجعين في المدرجات، وقدرة المنافسات الرياضية على البقاء ضمن حدودها الطبيعية والممتعة دون أن تتسرب العداوة إلى أرض الملعب. من هذا المنطلق، تركز الجهود السعودية على معالجة هذه الظاهرة من خلال حملات التوعية والتدريب والتنسيق بين المؤسسات الرياضية والإعلامية المعنية.
وأكد إبراهيم العاصمي، نائب الأمين العام لمركز الملك عبد العزيز للتراث الثقافي، أن المركز ينسق مع وزارة الرياضة في فعاليات ودراسات وبرامج مختلفة تهدف إلى معالجة التعصب الرياضي. ويركز هذا النهج على رفع مستوى الوعي بدلاً من معالجة المشكلة بعد وقوعها.
التعصب الرياضي المقبول وغير المقبول
يقوم النهج المقترح على التمييز بين التعصب الرياضي الطبيعي والتعصب الذي يتحول إلى سلوك ضار. حسب العاصمي، تتطلب المنافسة قدراً من الحماس والولاء للفريق، إذ أن غيابهما يقلل من جاذبية الرياضة. لكن المشكلة تكمن في تجاوز التعصب حدود الملعب أو تأثيره على العلاقة مع الوطن والمنتخب الوطني.
يؤكد هذا على أهمية بناء ثقافة رياضية تسمح للجماهير بالاحتفال بانتصارات فرقهم وتقبل الهزائم دون تحويل المنافسة إلى ساحة لتبادل الشتائم أو التشكيك في الولاء الوطني. هذا التوازن كفيل بجعل المدرجات أكثر حيوية، وفي الوقت نفسه، أكثر انضباطاً.
من الأدوات التي يستخدمها مركز الملك عبد العزيز للتراث الثقافي برنامج تدريبي متخصص حول التعصب الرياضي، يشارك فيه لاعبون معروفون باعتدالهم واتزانهم، بهدف إيصال رسائل توعية لمختلف شرائح المجتمع. تشمل هذه الجهود الإعلام والجمهور وعامة الناس، من منطلق إدراك أن معالجة التعصب لا تقتصر على الجماهير في المدرجات. فالإعلام الرياضي يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الخطاب العام، وطريقة عرضه للمباريات والمنافسات واللاعبين قادرة على تهدئة التوترات أو تأجيجها.
إن وجود لاعبين مشهورين في برامج التوعية يضفي مصداقية أكبر على الرسائل لدى الجمهور، خصوصاً وأن اللاعب نفسه يمثل قدوة للجماهير.
اقرأ أيضاً: كيف تعيد السعودية تشكيل قطاع الرياضة وفق رؤية 2030
لماذا من المهم تعميم هذه السياسة؟
إن تعميم هذه البرامج على مستوى الأندية والاتحادات والفعاليات الرياضية يساهم في وضع معيار موحد لمواجهة التعصب، بدلاً من ترك كل مؤسسة تعالج المشكلة بمعزل عن الأخرى. كما يساهم ذلك في تحسين جودة البيئة الرياضية السعودية، وحماية الجماهير من خطاب الكراهية والإساءة، وتعزيز قدرة الأندية على بناء قواعد جماهيرية قائمة على الدعم والمنافسة، لا العداء.
من الناحية الاقتصادية، تعزز البيئة الرياضية المنضبطة جاذبية الملاعب والفعاليات والرعاية والاستثمارات الرياضية. إذ لم تعد الرياضة الحديثة مقتصرة على المباريات والنتائج، بل هي صناعة شاملة تتطلب جمهوراً على درجة من الوعي، وإعلاماً على قدر من المسؤولية، وبيئة آمنة وجاذبة للاستثمار.
سياسة تحتاج إلى استدامة
يعتمد نجاح هذه الجهود على استمراريتها وتطويرها، بدءاً من حملات التوعية الموسمية وصولاً إلى سياسة رياضية دائمة، تشمل فئات الشباب واللاعبين والإعلاميين والجماهير. كذلك، يمكن لتحديد وزارة الرياضة للمجالات التي تتطلب تدخلاً، بالتنسيق مع مركز الملك عبد العزيز للتراث الثقافي، أن يساعد في تركيز البرامج على حل المشكلات الحقيقية، بدل الاعتماد فقط على الرسائل العامة.
ختاماً، لا يعني التصدي للتعصب الرياضي القضاء على الحماس للرياضة، بل تنظيمه. فالمنافسة تحتاج إلى جماهير شغوفة، والأندية تحتاج إلى مشجعين يدافعون عنها، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما يستطيع المشجع الاحتفال بفوز فريقه دون أن يحول هزيمة المنافس إلى انتصار شخصي وكيدي.

