أقر مجلس الوزراء السعودي مجموعة من التعديلات على نظام مكافحة غسل الأموال، في خطوة تهدف إلى تعزيز فاعلية الإطار النظامي ورفع كفاءة الإجراءات الرقابية. وقد تم نشر التعديلات على أن يبدأ العمل بها اعتباراً من اليوم التالي للنشر أي اليوم، مع التأكيد على عدم الإخلال باستمرار العمل باللائحة التنفيذية السابقة حتى يتم تحديثها بما يتوافق مع التعديل الجديد.
وتأتي هذه التعديلات ضمن إطار الخطوات التي تتخذها المملكة لتطوير المنظومة التشريعية لمكافحة الجرائم المالية حتى تواكب المستجدات الدولية وتعزز من قدرة الجهات المختصة على تتبع الأموال غير المشروعة والحد من مخاطر غسل الأموال وتمويله.
أبرز التعديلات على نظام مكافحة غسل الأموال
وعند الدخول لصلب هذه التعديلات نجد أنها شملت إعادة صياغة عدد من المواد التنظيمية، كان أبرزها حذف الإشارة إلى “المنظمات غير الهادفة إلى الربح” من بعض المواد، بهدف توحيد نطاق الالتزامات على المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة. وبحسب هذا التعديل أصبحت هذه الجهات ملزمة بوضع سياسات داخلية فعالة لمكافحة غسل الأموال، على أن تكون متناسبة مع حجم أعمالها وطبيعتها، ومعتمدة من الإدارة العليا، مع ضرورة تحديثها بشكل مستمر.
كما عزز النظام من واجب الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، حيث تم إلزام المعنيون بإبلاغ الإدارة العامة للتحريات المالية فور الاشتباه بأي أموال من المحتمل ارتباطها بجريمة غسل أموال، مع تزويدها بكافة التفاصيل المتاحة والاستجابة السريعة لأي طلبات معلومات إضافية.
كما شددت التعديلات على مبدأ السرية، إذ يحظر تنبيه أي طرف بوجود بلاغات أو تحقيقات مالية جارية، مع ضمان عدم تحميل الجهات المبلغة مسؤولية قانونية عند تقديم المعلومات بحسن نية. كما توسعت صلاحيات الإدارة العامة للتحريات المالية في طلب المعلومات المالية والإدارية من الجهات المختصة مباشرة أو عبر القنوات النظامية.
أما بالنسبة للجوانب العقابية، فقد نصت التعديلات على منع السعودي المدان بجريمة غسل الأموال من السفر لمدة مماثلة لمدة السجن، بينما يتم إبعاد غير السعودي بعد تنفيذ العقوبة ويمنع من العودة إلا لأداء مناسك الحج أو العمرة وفق الضوابط النظامية. كما شددت أحكام المصادرة لتشمل الأموال المغسولة والمتحصلات والوسائط المستخدمة، مع إمكانية مصادرة أموال أخرى إذا ثبت عدم مشروعية مصدرها، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.
تعزيز الرقابة وتطوير منظومة التنفيذ
امتدت التعديلات أيضاً إلى تعزيز الإطار المؤسسي، من خلال إقرار مادة جديدة تنص على قيام اللجنة الدائمة لمكافحة غسل الأموال بوضع سياسات وطنية قائمة على تقييم المخاطر، ومراجعتها وتحديثها بشكل دوري بما يتماشى مع الالتزامات الدولية، إضافة إلى تقييم المخاطر المرتبطة بالدول عالية الخطورة.
كما شملت التعديلات إعادة تنظيم الجهة المختصة بإصدار اللائحة التنفيذية وتعديلها، بما يعزز التنسيق بين الجهات الرقابية المعنية ويضمن مرونة أكبر في التطوير التشريعي.
ومن ناحية أخرى، برزت مسودة نظام التنفيذ الجديد التي تضمنت توجهات إصلاحية في إجراءات التنفيذ القضائي، من أبرزها تحديد مدة منع السفر للمدين المتعثر بما لا يتجاوز ثلاث سنوات، وإلغاء الحبس التنفيذي في الحقوق المالية، إلى جانب إلغاء إيقاف الخدمات الحكومية كإجراء تنفيذي.
كما ركزت المسودة على تفعيل تتبع الأموال وتعزيز صلاحيات محكمة التنفيذ في الاستجواب والتحقق وإبطال التصرفات التي تهدف إلى تهريب الأموال، مع السماح بإسناد بعض الإجراءات إلى وحدات متخصصة أو للقطاع الخاص بما يرفع كفاءة التنفيذ. وتم كذلك تعزيز مبدأ التنفيذ الرضائي بما يحقق سرعة استيفاء الحقوق وتقليل النزاعات.
وتعكس هذه التعديلات جميعها إلى وجود توجه واضح نحو تطوير بيئة العدالة المالية والتنفيذية، من خلال تحقيق توازن بين سرعة إنفاذ الحقوق وحماية الضمانات النظامية للأفراد، بما ينسجم مع متطلبات العدالة الحديثة.
خلاصة الكلام، يمكن القول إن التعديلات الجديدة على نظام مكافحة غسل الأموال، إلى جانب التطورات المقترحة في نظام التنفيذ، تشكل قاعدة حديثة بالنسبة للبنية التشريعية المرتبطة بالجرائم المالية والتنفيذ القضائي. فهي لا تقتصر على التشديد في الرقابة والعقوبات فقط، بل تتجاوزها لتصل إلى بناء نظام مالي وقضائي قادر على حسم أي قضية تمس الاقتصاد الوطني السعودي.
اقرأ أيضاً: فتح السوق المالية للأجانب: “الأسبوع الأول” بعد إزالة مفهوم المستثمر الأجنبي المؤهل

