يتشابه الإعلام اليوم كثيراً مع القطاعات التي اقتحمتها أدوات الذكاء الاصطناعي، فحولته في أحيان كثيرة إلى مساحة لاستعراض التقنيات أكثر من كونه مجالاً لتعزيز الإبداع. ومع دخول هذه الأدوات إلى صلب العمل الصحفي، ودمجها في الخطط التشغيلية، وازدياد عدد الصحفيين الذين يعتمدون عليها، يبدو أننا نتجه نحو حضور أوسع للذكاء الاصطناعي في العام الجديد، سيظهر بوضوح في خمسة مجالات رئيسية.
أول هذه المجالات هو حقوق النشر، التي أشعلت خلافاً متواصلاً بين الناشرين وشركات الذكاء الاصطناعي. ولا يزال هذا الخلاف قائماً رغم وجود اتفاقيات تهدف إلى حماية حقوق النشر؛ إذ يطالب الناشرون بمقابل مادي أكبر نظير استخدام موادهم، في حين تتمسك شركات الذكاء الاصطناعي بمبدأ الاستخدام العادل. وقد دفع ذلك كثيراً من الناشرين إلى مقاطعة هذه الأدوات، ما قلّص من فاعلية الذكاء الاصطناعي ووضع شركات مثل “أوبن إيه آي” و”بيربليكسيتي” في موقف صعب. وفي المقابل، لم يتمكن الناشرون من تطبيق هذا النهج على محرك بحث «غوغل»، نتيجة دمج المحرك بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل استبعاده خياراً شبه مستحيل. وهنا قد تتجه هذه الشركات إلى تعزيز المنافسة بغضّ النظر عن مطالب الناشرين.
أما في غرف الأخبار، فقد تحولت أدوات الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لجني الأرباح، من خلال تزويد الشركات بأرشيفات المعلومات مقابل مبالغ مالية. ويظهر ذلك بوضوح في تبني صحيفة “نيويورك تايمز” للذكاء الاصطناعي في مجالي النسخ وإدارة وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مبادرات مثل “Times AI Agent”، التي تحوّل الأرشيف الصحفي إلى بيانات جاهزة للاستخدام في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، وجد الناشرون في هذا التوجه وسيلة لحماية حقوقهم المالية، على الرغم من الجدل الذي يحيط به.
وعلى عكس الخلافات السابقة، ستسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في إحداث نهضة في مجال العلاقات العامة، من خلال طريقة تعامل هذا القطاع مع مصادر المعلومات الموثوقة. إذ يوفر الذكاء الاصطناعي مصادر متعددة ومتنوعة، ما يمنح العلاقات العامة قدرة أكبر على إبراز أهمية المواقع حتى وإن كانت صغيرة. وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة لتبني أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى بهدف خفض التكاليف، تُظهر شركات العلاقات العامة قدراً كبيراً من المرونة والقدرة على التكيف مع الواقع الجديد.
ولعل أبرز ما تأثر بأدوات الذكاء الاصطناعي هو الكتابة البشرية، تلك التي تمنح المنشورات روحها الخاصة وبصمتها المميزة. إلا أن هذه الكتابات ستعود في عام 2026 لتبرز بوصفها عنصراً فارقاً يُسلَّط الضوء عليه. ورغم التنوع الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي في الصيغ وتوليد المحتوى، مثل مقاطع الفيديو التوضيحية القصيرة، فإنه لن يكون بديلاً عن الكتابة البشرية، بل مجرد وسيلة لتسريع الإنتاج وتنويعه.
وفي ظل المشكلات التي يواجهها الناشرون، كما ذكر سابقاً، يتجه هؤلاء إلى ما يُعرف “بغوغل الأصغر”، أي التواصل المباشر مع الجمهور عبر التطبيقات الخاصة، والنشرات الإخبارية، والفعاليات المباشرة، وهو ما يخلق نوعاً من الألفة والولاء بين الناشر وجمهوره.
في النهاية، لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي مجرد إضافة جانبية، بل أصبحت جزءاً أساسياً في تشكيل المشهد الإعلامي والمشاركة في صناعته. ومع دخول العام الجديد، يتوقع أن يتسع حضورها ليشمل مجالات أوسع. ومع ذلك، يبقى من الضروري التعامل مع هذه الأدوات بوصفها وسائل ابتكرها الإنسان لتسهيل العمل ودعمه، لا للقيام به بدلاً عنه.
اقرأ أيضاً: السعودية تتصدر قائمة الدول في نمو وظائف الذكاء الاصطناعي مستقبل التقنية يبدأ هنا

