نحن أمام قصة صعود صناعي تُكتب بحروف ثقيلة الوقع على الاقتصاد. ففي المشهد الإقليمي، تتقدّم السعودية بخطى محسوبة وتيرةً وإستراتيجيةً، كأنها تُعيد تعريف علاقة الصناعة بالتنمية. ليست المؤشرات مجرد أرقام لامعة في العناوين، بل مسارٌ إنتاجيّ يغذّي مشاريع عمرانية ونقل وطاقة، ويمنح سلاسل الإمداد في المنطقة مركز ثقل جديداً.
هذا التحوّل لا ينشأ في الفراغ؛ بل إنه ثمرة طلب داخلي متنامٍ، وشهية مشاريع كبرى، وتحديث تكنولوجي يراهن على كفاءة الطاقة ونظافة العملية الصناعية. لذلك بات الحديث عن إنتاج الصلب في السعودية مدخلاً لفهم دينامية اقتصادية أوسع تتجاوز المصانع إلى المدن والبنى التحتية والأسواق.
إنتاج الصلب في السعودية: أرقام تتحدث
بيانات الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 تكشف التحوّل بوضوح؛ فقد سجّلت المملكة 6.928 ملايين طن من الصلب الخام بنمو 11.9% على أساس سنوي، بينما قفز إنتاج أغسطس وحده إلى 1.007 مليون طن بزيادة سنوية قدرها 64.1%. ولم تكن هذه طفرة معزولة؛ إذ استحوذت السعودية على 49.5% من إنتاج دول الخليج و24.5% من إنتاج الدول العربية خلال الفترة نفسها، ما يرسّخ مركزية المملكة في الخريطة الصناعية العربية.
هذه الأرقام، المنقولة عن بيانات منظمة الصلب العالمية والمتداولة إعلامياً، تُظهر مزيج الطلب المحلي واستجابة القدرات الإنتاجية لزخم المشاريع.
محركات الصدارة: مشاريع، طاقة، وتقنية
صعود إنتاج الصلب في السعودية يرتبط عضوياً بدفعة مشاريع «رؤية 2030»، من البنى التحتية إلى المدن الجديدة وسلاسل اللوجستيات. لكنه أيضاً قصة تقنية: المنطقة العربية – وفي القلب منها السعودية – تقوم أساساً على مسار الاختزال المباشر للحديد (DRI) مع الأفران الكهربائية (EAF)، ما يخفض كثافة الكربون ويزيد كفاءة الطاقة مقارنة بمسار الأفران العالية التقليدي.
يبيّن تقرير مستقل أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنتجت نحو 46% من إنتاج العالم من الاختزال المباشر في 2021، وأن نحو 95% من إنتاجها القائم آنذاك كان عبر الأفران الكهربائية، وهو ما يمنح المصنعين أفضلية في التحوّل إلى «الفولاذ الأخضر» بدمج الهيدروجين المتجدد على المدى المتوسط.
وتتزايد الدلائل التشغيلية على هذه الميزة؛ إذ تُظهر قراءات انبعاثات المصانع الخليجية أن عدداً من المنتجين—ومنهم منشآت سعودية وإماراتية—يقتربون من مستويات كثافة كربونية تقلّ عن المتوسط العالمي لمسار DRI-EAF، ما يعزز تنافسية التوريد لأسواق أوروبا وآسيا الباحثة عن منتجات منخفضة الكربون.
خارطة الإقليم والسوق العالمي
لا يحدث تقدّم إنتاج الصلب في السعودية بمعزل عن موجة أوسع في المنطقة. وفق تقديرات منشورة، ارتفع إنتاج الشرق الأوسط بين يناير– أغسطس 2025 إلى 36.1 مليون طن (+1.1% على أساس سنوي)، فيما قفز إنتاج الفترة ذاتها في المنطقة 21.5%، في وقت سجّل العالم نمواً طفيفاً قدره 0.3% مع بلوغ 145.3 مليون طن في أغسطس.
وهذا التباين يشي بأن الزخم الشرق أوسطي، المدفوع بإنفاق استثماري كبير، يتفوق على المتوسط العالمي الذي يرزح تحت تباطؤ الطلب في بعض الاقتصادات.
أما على المستوى العربي، فتفيد بيانات الاتحاد العربي للحديد والصلب بأن إنتاج الدول العربية ارتفع 6.1% خلال الفترة يناير– أغسطس 2025، مع تصدّر السعودية القائمة من حيث الحجم والنمو، وهو ما يعيد توزيع أدوار الريادة داخل الإقليم ويحفّز سباق التحديث في أسواق الجوار.
ماذا تعني الصدارة للمستقبل؟
يتجاوز أثر الصدارة حدود المؤشرات الشهرية. داخلياً، يعني ذلك تلبية أسرع لاحتياجات البناء والتشييد وتوطين سلاسل القيمة من قضبان التسليح إلى المنتجات المسطّحة. وخارجياً، يفتح الباب أمام توسّع الحصة التصديرية، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب شهادات استدامة وكثافة كربونية منخفضة.
على مستوى القدرات، تعلن شركات رائدة – مثل «حديد» – عن خطط استثمارية لرفع الطاقة الإنتاجية نحو 10 ملايين طن، بما يعزّز العمق الصناعي ويقلّص الفجوات في منتجات مسطّحة إستراتيجية كانت تعتمد على الاستيراد. هذه الاستثمارات، إذا اقترنت بالتسعير الكربوني العالمي ومعايير الاستدامة الأوروبية، قد تمنح المملكة «علاوة خضراء» في الأسواق الحسّاسة بيئياً.
ومع ذلك، تظل الإدارة الذكية للدورة الاقتصادية ضرورية. فأسعار المواد الخام وتقلبات الطلب العالمي تُحتم مرونة تشغيلية وتنوّعاً في المنتجات، إضافة إلى مضاعفة الاستثمار في كفاءة الطاقة وإعادة التدوير لخفض التكاليف والانبعاثات. هنا يبرز دور السياسات الصناعية في تأمين خامات مناسبة للاختزال المباشر، وتوسيع شراكات الهيدروجين الأخضر، وتطوير تقنيات الالتقاط والاستخدام والتخزين حيثما دعت الحاجة – كي يحافظ إنتاج الصلب في السعودية على مساره الصاعد، ويحوّل الريادة الرقمية إلى استدامة هيكلية في سلسلة القيمة.
في المحصلة، توثّق أرقام 2025 انتقال السعودية من مجرّد لاعب كبير إلى مرجع إقليمي في صناعة الحديد والصلب. وإذا استمر توظيف ميزة الطاقة والتكنولوجيا والتجميع الصناعي الذكي، فالأرجح أن تتحوّل الصدارة إلى منصة قفز نحو تعميق المحتوى المحلي، وتثبيت مكانة المملكة كمورّد موثوق لـ«الفولاذ النظيف» في أسواق تتغير معاييرها بسرعة. وهكذا يصبح إنتاج الصلب في السعودية ليس فقط خبر اليوم، بل مسار الغد.
اقرأ أيضاً: أرقام وخطة تُغيّر قواعد اللعبة.. ما هو «النفط الجديد» للسعودية؟

