تشهد أوروبا موجة حرّ شديدة، أدت إلى تعطيل المدارس واضطراب خدمات النقل وإلغاء فعاليات في عدد من الدول، وسط تأهب صحي متزايد مع ارتفاع مخاطر الإجهاد الحراري والوفيات، لا سيما في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث تجاوزت درجات الحرارة 35 و42 درجة مئوية في عدد من المناطق.
والجدير بالذكر أن هذا التأهب والقلق الصحي المرافق لموجة الحر في أوروبا، بات حدثاً سنوياً متكرراً، يرافقه ارتفاع في الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري، وأحياناً قد تصبح درجة الحرارة 35 قاتلة ضمن القارة العجوز، فيما يتعايش الخليج مع درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، فما هو السرّ؟
الحر في أوروبا قاتل عند درجة 35 مئوية!
لا تزال الأخبار تتوارد عن ظاهرة القبة الحرارية وحصد الأرواح، التي تسببت بها موجة الحر الشديدة في القارة العجوز، ما يطرح تساؤلات حول اختلاف تأثير درجات الحرارة بين أوروبا والخليج، الذي يشهد درجات حرارة أعلى قد تصل إلى 50 درجة مئوية.
تشيع عدة مبررات حول هذا الأمر، فهناك من يتحدث عن اختلاف قوة أشعة الشمس، وآخرون يربطون التأثير بأن الشمس عمودية أو أقرب، ولكن جميعها لا تعد أسباباً حقيقية لاختلاف تأثير درجات الحرارة بين أوروبا والخليج، والتي تكمن بما يلي:
مخاطر درجة حرارة البصيلة الرطبة
معدل الرطوبة يُعدّ مرتفعاً جداً في عدد من مناطق أوروبا لا سيما في الغرب، ما يقلل من قدرة الهواء على امتصاص العرق، بالتالي عندما تترافق درجة حرارة 35 مئوية مع معدل رطوبة يبلغ 80%، تصبح قاتلةً بسبب عدم قدرة بعض الأجسام على التخلص من الحر في أوروبا عن طريق التعرق.
فالتعرّق هو الطريقة الطبيعية للجسم للتخلص من الحرارة المرتفعة، ولكن مصاحبة الحرارة للرطوبة المرتفعة تعطل هذه المنظومة، فالهواء الرطب يكون مشبعاً ببخار الماء، بالتالي يعجز عن امتصاص العرق الذي يبقى معلقاً على الجلد، فيبدأ بعد ذلك ارتفاع حرارة الأعضاء الداخلية.
وهنا تبدأ مخاطر درجة حرارة البصيلة الرطبة القاتلة، حيث يصبح مزيج الحرارة والرطوبة فوق طاقة الجسم، فالوضع الطبيعي هو تبريد العرق للجسم عن طريق تبخّره، ولكن في هذه الحالة لن يتمكن الجسم من تبريد نفسه.
وتشير الدراسات إلى أن التعرض لدرجات حرارة البصيلة الرطبة، التي تتجاوز 35 درجة مئوية لنحو 6 ساعات، تحمل مخاطر صحية عالية للبالغين، فيما يتعرض الأكبر سناً لهذه المخاطر حتى عند الوصول لدرجات حرارة أقل.
اختلاف تأثير الحرارة
على الرغم من الرطوبة المرتفعة في سواحل الخليج، إلا أنها تتمتع بعدة مقومات تجعلها أقل عرضةً للتأثيرات الخطيرة للحرارة المرتفعة، علاوة على أن غالبية المناطق الخليجية تتمتع بمناخ صحراوي جاف، يساعد على تبخر العرق، بالتالي الجسم قادر على تبريد نفسه.
لذلك، يمكن القول إن اختلاف الخطر الصحي بين أوروبا والخليج يرتبط بمزيج من الرطوبة، والبنية التحتية، وانتشار التكييف، وأنماط التكيف الاجتماعي والعمراني، كما يلي:
البنية التحتية
من المعروف أن مباني الدول الأوروبية مصممة لتناسب فصل الشتاء وليس الصيف، فجدرانها عازلة بقوة، ونوافذ المنازل محكمة الإغلاق وتمتص أشعة الشمس لتعزيز الشعور بالدفء خلال فصل الشتاء، وهو ما يجب الوقوف عنده وحله من قبل صناع القرار، فعند دخول الحرارة للمنزل تُحفظ داخله، ليتحول إلى ما يشبه الفرن عالي الحرارة، ولك أن تتخيل ماذا سيحدث في هذه للحالات لكبار السن والرضّع.
أجهزة التكييف
أجهزة التكييف تُعد من الأساسيات التي ترافق تحضير أي منزل تقريباً في دول الخليج لكونه يتعرض لدرجات حرارة مرتفعة دائماً، في المقابل تكون المكيفات نادرة جداً ضمن المنازل في أوروبا، وذلك لعدم احتياجهم لها بأغلب الأحيان، بسبب المناخ المعتدل صيفاً.
الوقود الأحفوري
اليوم، وفقاً لتحليل بيانات العلماء فإن موجة الحر في أوروبا، تُعد من أكثر وأشد موجات الحرارة انتشاراً، وهي نتيجة التغيرات المناخية الناجمة عن النشاط البشري المتزايد، لا سيما بالنسبة لحرق النفط والغاز والفحم (الوقود الأحفوري).
وفي هذا السياق، يحذر رئيس قسم المناخ في الأمم المتحدة، سيمون ستيل من الاستمرار بهذه الأنشطة دون اللجوء إلى حلول واضحة، مشيراً إلى أهمية استخدام الطاقة النظيفة، والمحافظة على المساحات الخضراء، إلى جانب الوقوف عند أهمية بناء القدرات للتكيف والتأقلم مع التغير المناخي.
رغم أن تغير المناخ الناتج عن حرق الوقود الأحفوري يؤثر على جميع المناطق، إلا أن تأثيره في دول الخليج يبدو أقل في معدلات الوفيات المباشرة مقارنة بأوروبا، وذلك لكونها تعيش داخل مناخ حار أصلاً، ومع مستوى أعلى من التكيّف مع الحرارة، فضلاً عن البنية التحتية التي تعتمد بشكل واسع على أنظمة التبريد.
والآن مع تزايد حدة موجات الحر في أوروبا، وارتفاع أصوات الخبراء والعلماء، يبدو أن صناع السياسات أمام تحدٍّ جديد، يرتبط بتحسين القدرات والبنية التحتية لتكون أكثر ملاءمة للتغيرات المناخية، فالأرواح ليست أرقاماً تُحصى بقدر ما هي خسائر إنسانية مباشرة تكشف هشاشة الأنظمة القائمة أمام التغيرات المناخية، فالحلول موجودة ولكن التطبيق على ما يبدو غائب.
اقرأ أيضاً: تسكن قرب بحر أو محيط؟ احذر.. دراسة بقيادة سعودية تكشف هشاشة الوضع

