تدخل السعودية ملف المياه اليوم من باب السياسة العامة لا من زاوية الخدمات وحدها، فحين يرتفع الحديث الرسمي عن الشح والكفاءة والأمن المائي والابتكار، فإن الرسالة لا تتعلق بنقص طارئ في الإمدادات بقدر ما تعكس إدراكاً متزايداً بأن الماء صار عقدة تتقاطع فيها التنمية والطاقة والغذاء والبنية التحتية والاستقرار الإقليمي.
ومن هذه الزاوية يبدو تصعيد الخطاب أقرب إلى إعلان أولوية استراتيجية منه إلى استدعاء أزمة عابرة، لأن الدولة تتعامل مع ملف يختبر قدرتها على إدارة المخاطر في زمن سريع التقلب.
تحديات المياه تعود للواجهة
وفق الاستراتيجية الوطنية للمياه، تواجه المملكة معادلة صعبة تجمع بين الندرة الطبيعية للمياه المتجددة، والاعتماد التاريخي على المياه الجوفية غير المتجددة، وارتفاع الطلب الزراعي، وكلفة الإمداد الحضري.
وتوضح الوثيقة أن ضمان الوصول المستمر إلى المياه يجب أن يتحقق في الظروف العادية وفي حالات الطوارئ أيضاً، وهو ما يكشف أن الملف لم يعد تقنياً صرفاً، بل دخل صلب التفكير السيادي.
ويعزز البنك الدولي هذه الصورة حين يصف دول الخليج بأنها من أكثر مناطق العالم شحاً مائياً، مع مستويات متدنية جداً من الموارد العذبة المتجددة للفرد، ما يجعل أي خطاب عن تحديات المياه في السعودية حديثاً عن استدامة الدولة نفسها لا عن قطاع خدمي منفصل.
الأمن المائي وحسابات الدولة
يرتفع هذا الخطاب أيضاً لأن الاقتصاد السعودي يتوسع على أكثر من جبهة في وقت واحد، من التمدد الحضري إلى الصناعة والسياحة والمشروعات الكبرى، وكل ذلك يحتاج إلى إمداد مائي مستقر وقابل للتنبؤ.
ولهذا تتحدث وزارة البيئة والمياه والزراعة عن خطة طويلة الأجل للعرض والطلب تمتد إلى عام 2050، وعن حزمة تعاقدات مع القطاع الخاص تتجاوز 104 مليارات ريال في مشروعات التحلية والنقل وإعادة الاستخدام.
كما تشير البيانات الرسمية إلى شبكة ضخ مياه يزيد طولها على 19 ألف كيلومتر وتغطي أكثر من 82 في المئة من المناطق المأهولة. هذه الأرقام لا تستخدم للزهو الإداري فقط، بل لتبرير استمرار الإنفاق والإصلاحات، ولإفهام الرأي العام أن الأمن المائي صار جزءاً من هندسة التحول الاقتصادي.
الإقليم المضطرب يرفع الحساسية
تضيف اللحظة الإقليمية سبباً آخر لرفع النبرة، فالتوترات المحيطة بالممرات البحرية، ولا سيما اضطرابات البحر الأحمر منذ أواخر 2023، أظهرت بحسب البنك الدولي كيف يمكن للأزمات الأمنية أن تعيد رسم طرق الشحن وسلاسل التوريد في وقت قصير.
صحيح أن السعودية ليست دولة معزولة عن هذه التحولات وقد تستفيد لوجستياً من بعضها، لكن الدرس الأهم هو هشاشة البيئة المحيطة لا أكثر، ويزداد المعنى وضوحاً عندما نضع ملف المياه بجوار ملف الغذاء، إذ تقدر منظمة الأغذية والزراعة احتياجات السعودية من واردات الحبوب في الموسم 2024 و2025 بنحو 12.5 مليون طن.
هنا يصبح الخطاب المرتفع عن تحديات المياه جزءاً من إدارة المخاطر المركبة، لأن المسألة تتعلق بما تشربه المدن، وما يصل إلى الأسواق، وما تحتاجه محطات المعالجة والتحلية من لوجستيات ومواد ومعدات في محيط قابل للاهتزاز.
التحلية بين الإنجاز والكلفة
السبب الثالث أن السعودية تملك قصة نجاح واضحة في التحلية، لكنها تدرك في الوقت نفسه حدود هذا النجاح، فالاستراتيجية الوطنية للمياه تشير إلى أن التحلية توفر نحو 60 في المئة من المياه الحضرية، لكنها تربط ذلك بكلفة اقتصادية مرتفعة، وبأعباء نقل المياه من السواحل إلى الداخل، وباعتماد كبير على الطاقة وبصمة بيئية لا يمكن تجاهلها.
وفي المقابل يلفت البنك الدولي إلى أن تطور تقنيات الأغشية ورفع الكفاءة خفضا تكلفة المياه المحلاة كثيراً مقارنة بعقود سابقة، ومن هنا يبدو تصعيد الخطاب مفهوماً، لأنه لا يروّج للتحلية بوصفها عصاً سحرية، بل يقدمها كحل ضروري يحتاج إلى موازنة دائمة مع ترشيد الاستهلاك، وتقليص الفاقد، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة ضمن اقتصاد دائري للمياه.
رسالة الداخل وشركاء الخارج
يبقى أن الخطاب السعودي لا يخاطب الداخل وحده، فخلال العامين الأخيرين كثفت الرياض حضورها في المنتديات الدولية ذات الصلة، ودعت إلى تعاون عالمي أوسع في إدارة المياه، كما ربطت سياساتها المائية بالابتكار والتمويل والدبلوماسية، واستثمرت الاعتراف الأممي بتجربتها بوصفها نموذجاً متقدماً في تسريع تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة.
لذلك يمكن قراءة تصعيد الحديث عن تحديات المياه باعتباره رسالة مزدوجة، تقول في الداخل إن الاستهلاك والكفاءة والإصلاح لم تعد ملفات مؤجلة، وتقول في الخارج إن السعودية تريد موقعاً قيادياً في نقاش الأمن المائي الإقليمي والدولي.
وبين الرسالتين يتضح أن ارتفاع النبرة لا يعني بالضرورة اقتراب أزمة فورية، بل يعكس وعياً بأن الاستقرار في منطقة مضطربة يبدأ أحياناً من صنبور الماء قبل أي شيء آخر.
اقرأ أيضاً: أرامكو تطلق جرس الإنذار: هل تدير الرياض حرب الطاقة أم تتلقى ارتداداتها؟

