لا تكشف النسبة الجديدة عن تعديل محاسبي محدود. حين يقرر صندوق الاستثمارات العامة أن يوجه 80 في المئة من استثماراته في السنوات الخمس المقبلة إلى الداخل السعودي، فهو يقول شيئاً أوسع من توزيع الأموال. يقول إن مركز الثقل تغيّر، وإن وظيفة الصندوق نفسها يجري إعادة شدها نحو الاقتصاد المحلي، لا بوصفه ساحة إنفاق فقط، بل بوصفه الساحة التي يفترض أن يظهر فيها الأثر أولاً.
هذا ما يمكن التقاطه من الاستراتيجية الجديدة للفترة 2026-2030 التي أقرها مجلس إدارة الصندوق في 15 نيسان 2026. اللغة الرسمية تحدّثت عن قيمة مستدامة، وكفاءة أعلى، وحوكمة أشد، ومشاركة أوسع للقطاع الخاص. لكن الرقم الذي نقله ياسر الرميان، وهو 80 في المئة للداخل مقابل 20 في المئة للخارج، يقدّم الترجمة العملية لكل ذلك. المسألة لم تعد كم يستثمر الصندوق، بل أين يضع وزنه، ولماذا الآن.
استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030 ومعنى ترجيح الداخل
البيان الرسمي لا يقدّم الاستراتيجية الجديدة باعتبارها انقلاباً على المرحلة السابقة. الصندوق يتحدث عن انتقال من مرحلة نمو سريع إلى مرحلة خلق قيمة مستدامة. الصياغة هنا دقيقة. فهي لا تعلن التراجع عن التوسع، لكنها تقول إن التوسع وحده لم يعد كافياً، وإن رأس المال بات مطالباً بعائد أوضح، وبأثر أكثر قابلية للقياس، وبصلة أشد مباشرة مع الاقتصاد السعودي نفسه.
ولهذا أعيد ترتيب الاستثمارات تحت ثلاث محافظ رئيسية، هي محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية. وداخل محفظة الرؤية جرى تنظيم الأولويات ضمن ستة نظم اقتصادية، تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير الحضري وجودة الحياة، والتصنيع المتقدم والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة والمياه والبنية التحتية المتجددة، إضافة إلى نيوم. هذا البناء لا يوحي بمشهد يقوم على مشروع واحد ضخم يبتلع ما حوله. هو أقرب إلى محاولة لربط مشاريع وقطاعات وشركات وموردين ضمن سلاسل أوسع، بحيث يصبح الاستثمار أداة لتركيب اقتصاد جديد، لا مجرد وسيلة لتكبير المحفظة.
ما الذي تقوله نسبة 80 في المئة فعلاً
بحسب رويترز، فإن الاستثمارات المحلية ستشكل 80 في المئة من إجمالي استثمارات الصندوق، مقابل 20 في المئة للاستثمارات الدولية، بعد أن كانت الحصة الخارجية قد بلغت في فترة سابقة نحو 30 في المئة. هذا الفارق ليس هامشياً. هو يكشف أن السعودية لا تنسحب من الخارج، لكنها تقلص وزنه النسبي، وتعيد توجيه الثقل إلى الداخل، حيث يجري اختبار مردود الاستثمار سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في الوقت نفسه.
الأهم أن هذه النسبة تأتي منسجمة مع الطريقة التي صيغت بها الأولويات الجديدة. فحين يزداد الوزن المحلي، لا يعود مقبولاً أن يظل الصندوق مجرد ممول لمشاريع كبيرة منفصلة عن بعضها. عندئذ يصبح مطالباً بأن يخلق منظومات إنتاج، وأن يفتح مجالاً أوسع أمام القطاع الخاص المحلي، وأن يربط التمويل بسلاسل التوريد، وبالقدرة على التصنيع، وبالبنية اللوجستية، وبالطاقة والمياه والخدمات الحضرية. النص الرسمي يتحدث صراحة عن القطاع الخاص بوصفه مستثمراً وشريكاً ومورداً، وهذه ليست إضافة تجميلية في اللغة، بل جزء من تعريف الدور الجديد.
من التوسع السريع إلى مرحلة الفرز
لفهم هذا التحول، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء. برنامج الصندوق للفترة 2021-2025 ربط دوره مباشرة برؤية 2030، ووضع أمامه أهدافاً كبيرة، من بينها رفع الأصول المدارة إلى 1.7 تريليون دولار، وبلوغ نسبة المحتوى المحلي لدى الصندوق وشركاته 60 في المئة، ورفع حصة الأصول الدولية إلى 24 في المئة، وتحقيق مساهمة تراكمية بنحو 320 مليار دولار في الناتج غير النفطي. تلك كانت مرحلة توسع سريع، وكانت الفكرة الأساسية فيها أن يتقدم الصندوق إلى مساحات جديدة بسرعة وبثقل مرتفع.
لكن الأرقام التي عرضها الصندوق مع الاستراتيجية الجديدة توضح أن هذه المرحلة أنجزت جزءاً أساسياً من مهمتها. فالأصول المدارة ارتفعت من 150 مليار دولار في 2015 إلى أكثر من 900 مليار دولار. والعائد السنوي الإجمالي للمساهم تجاوز 7 في المئة منذ 2017. وبين 2021 و2025 ضخ الصندوق أكثر من 199 مليار دولار في مشاريع جديدة داخل المملكة. كما ساهم بأكثر من 243 مليار دولار في الناتج الحقيقي غير النفطي بين 2021 و2024، وهو ما يعادل نحو 10 في المئة من إجمالي الناتج غير النفطي السعودي في 2024. وإلى جانب ذلك، بلغ إنفاقه مع شركات محفظته لدى القطاع الخاص المحلي أكثر من 157 مليار دولار في الفترة نفسها.
هذه الأرقام لا تقول إن مرحلة التوسع فشلت. تقول شيئاً آخر. تقول إن قاعدة العمل اتسعت بما يكفي لكي تنتقل الأولوية من الإطلاق إلى الفرز، ومن مراكمة المشاريع إلى اختبار قيمتها، ومن الحركة السريعة إلى إعادة ترتيب السرعات والأوزان. لهذا يبدو التحول الحالي أقرب إلى مراجعة داخلية في طريقة استخدام رأس المال، لا إلى تغيير في الغاية النهائية.
العائد، والانضباط، وظل النفط
هذا التحول لا يمكن فصله عن البيئة المالية الأوسع. رويترز ربطت الاستراتيجية الجديدة بسنوات من أسعار نفط أقل من المستوى الذي تحتاجه المملكة لتمويل أجندتها الطموحة، وبعجوزات مالية متزايدة، ثم بضغوط إضافية نتجت من التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران وما تركته من أثر على الصادرات النفطية. هذا السياق يفسر جانباً من التشدد الجديد في ترتيب الأولويات. حين ترتفع الكلفة، وتتسع المشاريع، ويصبح الوقت عاملاً حاسماً، لا يبقى السؤال كم يمكن إطلاقه فقط، بل أي المشروعات يمكن الدفاع عن جدواها مالياً وزمنياً.
من هنا يكتسب تصريح الرميان بشأن “ذا لاين” دلالته. رويترز نقلت عنه أن المشروع لم يعد أولوية، مع تأكيده أن أياً من مشاريع نيوم لم يُلغَ. هذا لا يعني انكفاءً عن المشاريع الكبرى بقدر ما يعني إعادة ضبط داخلها. أي أن الحجم وحده لم يعد كافياً لفرض الأولوية، وأن النقاش بات يمر أكثر عبر بوابة التوقيت والكلفة والعائد المتوقع.
هل تتراجع السعودية عن الخارج
الجواب الأقرب إلى الوقائع هو لا. البيان الرسمي يقول إن المحفظة المالية ستواصل إدارة الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في الأسواق العالمية لتعظيم العائد وبناء محفظة أكثر تنوعاً ومرونة، كما ستواصل تعزيز الشراكات الدولية. ورويترز نقلت عن الرميان أن القيمة الدولارية للاستثمارات الخارجية مرشحة للارتفاع حتى مع انخفاض حصتها النسبية من إجمالي المحفظة. هذا يعني أن الخارج باقٍ، لكنه لم يعد المعيار الذي يقاس به ثقل الصندوق.
الفارق أن الاستثمار الخارجي بات مطالباً أكثر من السابق بأن يؤدي وظيفة واضحة داخل المعادلة السعودية، سواء عبر العائد المالي، أو عبر بناء الشراكات، أو عبر فتح قنوات معرفة ورأس مال وأسواق. وبهذا المعنى، تبدو الاستراتيجية الجديدة إعادة توازن بين الداخل والخارج، لا قطيعة مع أحدهما.
ما الذي تكشفه الأولويات السعودية الجديدة
حين تُجمع هذه الخيوط معاً، تظهر الصورة بوضوح أكبر. السعودية تريد من صندوقها السيادي في النصف الثاني من العقد أن يكون أكثر التصاقاً بالاقتصاد المحلي، وأكثر انتقائية في توجيه رأس المال، وأكثر ميلاً إلى بناء النظم الاقتصادية بدلاً من الاكتفاء بعناوين المشاريع الكبرى. هذا يضع الصناعة، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، والتطوير الحضري، والسياحة، والتصنيع المتقدم في قلب المشهد، مع إبقاء نيوم داخل الصورة ولكن بعد إعادة ترتيب الإيقاع.
والخلاصة هنا ليست أن الطموح السعودي انخفض. بل إن الطموح نفسه صار أكثر حساسية للوقت والكلفة والعائد، وأكثر ميلاً إلى اختبار أثره داخل المملكة أولاً. هذا، على الأرجح، هو المعنى الأوضح لاستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030، وهو أيضاً أقرب وصف لأولويات السعودية الجديدة كما تكشفها الأرقام والنصوص الرسمية معاً.
اقرأ أيضاً: صفقة القرن بين صندوق الاستثمارات السعودي وإلكترونيك آرتس للألعاب الإلكترونية

