أحمد علي
تعني الميزانية لصاحب المنشأة عقوداً محتملة ومدفوعات ينتظرها، وللباحث عن عمل فرصاً يأمل أن تنتجها المشاريع. لذلك لا يكفي أن يكون رقم الإنفاق كبيراً كي نعرف أثره. الأهم أين يذهب، وما الذي يموله، وكيف تتحمل المالية العامة كلفته حين تتغير عوائد النفط وظروف التجارة.
أعلنت وزارة المالية السعودية في 30 سبتمبر 2026 البيان التمهيدي لميزانية 2027، بنفقات متوقعة تبلغ 1,392 مليار ريال وإيرادات بنحو 1,202 مليار، وعجز يعادل 3.6% من الناتج المحلي. هذه ملامح أولية للعام المقبل، تحمل خيارات وتوقعات، وسيحكم التنفيذ لاحقاً على مقدار ما يتحقق منها.
يزيد الإنفاق.. بحسب سنة المقارنة
حددت ميزانية 2026 الأصلية النفقات بنحو 1,313 مليار ريال. مقارنةً بهذا الرقم، يزيد إنفاق 2027 المقترح بنحو 79 ملياراً، أو 6% تقريباً. إلا أن التقدير المحدّث لإنفاق 2026، كما نقلته أرقام عن البيان التمهيدي، ارتفع إلى 1,435 مليار ريال. وبالمقارنة معه ينخفض إنفاق العام المقبل بنحو 43 ملياراً، أي قرابة 3%، وفق حساب الأرقام المنشورة.
ليست المقارنتان متناقضتين، فإحداهما تستخدم الموازنة الأصلية، والأخرى أحدث توقع لنهاية العام. لهذا يحتاج وصف الميزانية بالتوسعية أو المقيدة إلى تحديد الأساس، ثم النظر في التضخم وتوزيع الإنفاق. الرقم الإجمالي وحده لا يخبر المقاول أي مشروع سيتقدم، ولا يحدد نوع الوظائف التي سيولدها.
قفزة النمو تبدأ من قاعدة منخفضة
تتوقع الوزارة نمو الناتج الحقيقي 12.8% في 2027 بعد انكماش متوقع قدره 3.6% في 2026، وفق البيانات التي عرضتها اندبندنت عربية. وتعزو تقدير انكماش السنة الحالية إلى تراجع الأنشطة النفطية 21.8%، مقابل نمو متوقع للأنشطة غير النفطية 3.2%.
يرجح من هذه الصورة أن يحمل نمو السنة المقبلة أثر التعافي من انخفاض النشاط النفطي، إلى جانب أداء بقية الاقتصاد. لذلك لا يصح قراءة النسبة الكبيرة بوصفها قفزة مماثلة في دخول الأسر أو إنتاجية كل القطاعات. كما أن ارتفاع حصة الأنشطة غير النفطية قد يتأثر بتراجع النفط، فضلاً عن نموها هي، وهما أثران مختلفان.
ويضع صندوق النقد الدولي المخاطر في سياقها. ففي مشاورات يوليو 2026 ربط مسار التعافي بتطور الحرب وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وحذر من أثر استمرار الاضطراب في التجارة والثقة. وبذلك تظل توقعات 2027 مشروطة بمسار النشاط والإمدادات، وليست نتيجة مضمونة بمجرد إعلانها.
العجز لا يختصر فاتورة التمويل
تعطي عملية طرح الإيرادات من النفقات المعلنة عجزاً بنحو 190 مليار ريال، وهو الرقم الذي أوردته اندبندنت عربية، بينما تنقل جداول أرقام 191 ملياراً. قد ينتج الفارق من تقريب القيم الأصلية، لكن الأرقام المجملة لا تحسمه. وفي الحالتين، تدور التقديرات حول عجز بنسبة 3.6% من الناتج، مقابل عجز محدّث لعام 2026 بنحو 245 مليار ريال.
ثم إن الاقتراض المطلوب لا يساوي العجز وحده. توضح خطة الاقتراض الأصلية لعام 2026 هذه العلاقة، إذ قدرت الاحتياجات التمويلية بنحو 217 مليار ريال لتغطية عجز متوقع آنذاك بنحو 165 ملياراً وسداد نحو 52 ملياراً من أصل الدين. هذه أرقام الخطة الأصلية لتلك السنة، ولا تمثل احتياجات 2027.
وعليه، فإن تقييم قدرة الميزانية الجديدة على الاستمرار يحتاج معرفة آجال السداد وكلفة التمويل، وما إذا كان الاقتراض يمول أصولاً وخدمات ترفع النشاط الاقتصادي. تراجع العجز خبر مالي إيجابي إذا تحقق، لكن قيمته تتضح مع نوع الإنفاق الذي أبقته الحكومة أو أعادت ترتيبه.
أي أثر سيبقى بعد الصرف؟
يدعو صندوق النقد إلى تحسين إدارة الاستثمار العام وتنمية الإيرادات غير النفطية، مع توجيه أي دعم لمواجهة الصدمات بصورة محددة ومؤقتة وشفافة. وهذه معايير تساعد على قراءة الميزانية من زاوية العائد على الاقتصاد، بدلاً من الاكتفاء بحجم المبلغ المرصود.
يبقى الاختبار في قدرة الإنفاق على توسيع إنتاج المنشآت وفرص العمل والخدمات التي يستخدمها الناس. وتحتاج هذه القراءة، عند إعلان الميزانية النهائية وخلال تنفيذها، تفاصيل التخصيصات والمدفوعات والنتائج. فالمال الذي يخرج من الخزانة يكتسب قيمته العامة بما يتركه وراءه من قدرة على الإنتاج والحياة، وبمدى استمرار هذه القدرة بعد انتهاء العقد أو المشروع.
اقرأ أيضاً: كيف تعيد رؤية 2030 تشكيل الأسواق المالية في السعودية

