الكاتب: أحمد علي
يصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في لحظة لا تسمح بزيارة بروتوكولية عادية. يبدأ البرنامج مساء 23 آب 2026 بحضور مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، ثم ينتقل في اليوم التالي إلى الاستقبال الرسمي والمحادثات في الإليزيه، والاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي–الفرنسي، ومنتدى أعمال، وتوقيع اتفاقات منتظرة في التكنولوجيا والنقل والطاقة والصحة. يرافق الوفد سبعة وزراء، وهي إشارة إلى أن المقصود بناء مسارات تنفيذ لا تبادل رسائل سياسية فقط.
الشراكة السعودية الفرنسية: لقاءٌ يتجاوز صورة الاستقبال
لكن عبارة «الصفقة الكبرى» لا ينبغي أن تُفهم كعقد سلاح واحد أو رقم استثماري ضخم يُعلن في العشاء الرسمي. الصفقة الأوسع، إن وُلدت، ستكون معادلة طويلة الأجل: سوق ورأس مال ونفوذ إقليمي سعودي، مقابل معرفة صناعية وتقنية وحضور أوروبي فرنسي؛ وتنسيق سياسي في الممرات البحرية وملفات فلسطين ولبنان وسوريا، مقابل شراكات في تنويع الاقتصاد السعودي وتوطين المعرفة. معيارها ليس عدد مذكرات التفاهم، بل قدرتها على تحويل العلاقة من بيع وشراء إلى بناء مشترك يمكن تتبع نتائجه.
من مذكرة 2024 إلى أول امتحان مؤسسي
أسست زيارة ماكرون إلى السعودية في كانون الأول 2024 الإطار الجديد عندما شهد الزعيمان توقيع مذكرة تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجي، ضمن خريطة تعاون سياسية واقتصادية وثقافية وفنية ورياضية. انعقاد المجلس للمرة الأولى في باريس يعني أن العلاقة حصلت على قناة قيادية دورية يفترض أن تتابع المشاريع وتحل التعثر بين الوزارات. هذه النقلة المؤسسية مهمة لأن العلاقات التي تعتمد على كيمياء الزعماء يمكن أن تزدهر سريعاً ثم تتباطأ سريعاً أيضاً إذا لم تتحول إلى آليات عمل.
الاجتماع الأول سيُختبر بثلاثة أسئلة: هل يحدد أولويات قليلة بدلاً من قائمة رغبات طويلة؟ هل يربط كل مشروع بجهة مسؤولة وموعد تمويل وتنفيذ؟ وهل ينشئ متابعة بين القمم بحيث لا تنتظر الملفات الزيارة التالية؟ إذا خرج المجلس بلوحة مشاريع ومؤشرات تقدم، يصبح وعاءً لـ«صفقة كبرى». أما إذا اكتفى بتوقيع مذكرات عامة، فسيضيف طبقة جديدة إلى أرشيف التفاهمات من دون تغيير وزن فرنسا داخل التحول السعودي.
اقتصاد واسع.. وحصة فرنسية ما زالت قابلة للنمو
تكشف الأرقام قاعدة قوية لكنها لا توحي بأن الإمكانات استُنفدت. وفق الخزانة الفرنسية، بلغ تبادل السلع خارج المعدات العسكرية 7.6 مليارات يورو في 2024، بانخفاض 19 في المئة عن 2023، مع صادرات فرنسية بنحو 3.6 مليارات وواردات تقارب 4 مليارات. أما التقديرات الاقتصادية المتداولة قبيل الزيارة فتشير إلى ارتفاع التبادل في 2025 إلى 44.2 مليار ريال سعودي، وإلى وصول رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر في المملكة عام 2024 إلى قرابة 69.45 مليار ريال، بعدما كان نحو 28.09 ملياراً في 2015. اختلاف مناهج الإحصاء لا يغير الخلاصة: العلاقة تنمو، لكن السوق السعودية أكبر بكثير من الحصة الفرنسية الحالية.
تسعى باريس إلى تحويل قدرات شركاتها في الطيران والنقل والطاقة والمياه والصحة والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة إلى عقود ضمن «رؤية 2030». ولا تريد الرياض مورداً يسلّم منتجاً ثم يغادر؛ بل توطيناً، وتدريباً، ومحتوى محلياً، وتمويلاً، وقدرة على تشغيل المشروع وصيانته. هنا يتحدد شكل الصفقة: الشركة الفرنسية التي تقبل نقل المعرفة وبناء سلسلة موردين سعودية ستكون أقرب إلى شريك استراتيجي من شركة تعرض عقد تصدير تقليدياً.
الطاقة والممرات: الجغرافيا تعود إلى قلب الاقتصاد
تأتي الزيارة فيما يضغط التصعيد الأميركي–الإيراني وإغلاق مضيق هرمز على أمن الإمدادات والتجارة. وبحسب ما نقلته الرئاسة الفرنسية، سيبحث الجانبان تنويع طرق نقل الطاقة واللوجستيات عبر مسارات بحرية بديلة، وأنابيب، وسكك حديد إقليمية. هذا الملف يحول الحوار من سؤال كمية النفط إلى مرونة المنظومة بأكملها: الميناء، والمخزون، والكهرباء، والتأمين، وحماية الممر البحري، والربط بين الخليج والبحر الأحمر وأوروبا.
تمتلك السعودية موقعاً ورأس مال وقدرة إنتاج، بينما تملك فرنسا شركات وخبرات في الهندسة والطاقة النووية والمتجددة والهيدروجين والنقل وشبكات الكهرباء، إضافة إلى حضور عسكري وبحري أوروبي. الجمع بين هذه العناصر يمكن أن ينتج بنى مشتركة أطول عمراً من صفقة شراء. لكنه يحتاج جدوى تجارية وتوزيعاً واضحاً للمخاطر، لأن المشاريع العابرة للحدود تتعثر بسهولة عند تغير أسعار الطاقة أو الأولويات المالية أو العلاقات بين دول الممر.
العلا نموذج مصغر لـ«الصفقة الكبرى»
تقدم العلا مثالاً عملياً على ما يمكن أن تعنيه الشراكة السعودية الفرنسية. فقد أنشأ اتفاق حكومي في 2018 إطاراً فرنسياً لمساندة الهيئة الملكية في تطوير المنطقة بصورة ثقافية وسياحية مستدامة، ثم اتسع التعاون إلى المتاحف والتعليم والآثار والنقل وإدارة الموارد. لا تقوم الفكرة على تصدير مبنى جاهز، بل على حشد خبرات ومؤسسات وشركات، وتدريب كوادر، وتشغيل طويل الأمد. وهي بالضبط الصيغة التي تريد الرياض توسيعها إلى قطاعات أخرى.
ومع ذلك، يكشف النموذج نفسه حدود الخطاب: المشاريع الكبرى تتعرض لإعادة الجدولة، وتحتاج تنسيقاً شاقاً بين ثقافات مؤسسية مختلفة، وقد تتغير أولويات الإنفاق. لذلك فإن نقل نموذج العلا إلى الصحة أو الذكاء الاصطناعي أو الطاقة يتطلب انتقاء المشروعات القابلة للحياة، لا استنساخ حجمها الرمزي. النجاح في مشروع متوسط مكتمل قد يكون أهم من إعلان مدينة أو صندوق ضخم لا يصل إلى التشغيل.
تنسيق سياسي من دون تحالف حصري
ستحضر الأزمات الإقليمية بقوة: غزة والضفة، لبنان، سوريا، أمن البحر الأحمر، ومآلات المواجهة مع إيران. لدى باريس والرياض خبرة مشتركة في مبادرات حل الدولتين ودعم مؤسسات لبنان، وتقول فرنسا إنها تعمل مع السعودية على مشروعات طاقة ولوجستيات في المنطقة، بما فيها سوريا. بالنسبة إلى الرياض، يمنح التنسيق مع عضو دائم في مجلس الأمن وقوة أوروبية قناة إضافية إلى جانب واشنطن. وبالنسبة إلى فرنسا، تفتح السعودية باباً للتأثير في ملفات تراجع فيها الوزن الأوروبي منفرداً.
لكن التقارب لا يعني اصطفافاً حصرياً. السياسة السعودية تقوم على تنويع الشركاء بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا وقوى آسيوية، وفرنسا نفسها تريد «استقلالاً استراتيجياً» من دون امتلاك الموارد الأميركية. لذلك ستبقى هناك اختلافات في تعريف المخاطر وسرعة التحرك وملفات حقوق الإنسان. القيمة الواقعية للشراكة ليست إزالة هذه الفوارق، بل بناء مجالات اتفاق محددة تستطيع الصمود عندما يختلف الطرفان في ملف آخر.
الدفاع والتقنية: من الصفقة إلى قابلية التشغيل
لطالما كان الدفاع ركناً في العلاقات الخليجية–الفرنسية، لكن المنافسة اليوم تتجاوز بيع المنصات إلى نقل التقنية والصيانة المحلية والأمن السيبراني والأنظمة غير المأهولة وربط المعلومات. تحتاج السعودية إلى تنويع مصادرها ورفع المحتوى المحلي، وتحتاج فرنسا إلى طلبيات تدعم قاعدتها الصناعية وتثبت قدرتها على أن تكون شريكاً مستقلاً. نجاح أي اتفاق دفاعي كبير سيتوقف على التدريب والإمداد وملكية البيانات والتكامل مع المنظومات الموجودة، لا على السعر وحده.
أما الذكاء الاصطناعي والصحة والنقل، فتضع العلاقة أمام سؤال البيانات والسيادة. مشاركة شركة فرنسية في بنية سعودية حساسة تحتاج قواعد واضحة للاستضافة والوصول والأمن ونقل الملكية الفكرية. وإذا عالج مجلس الشراكة هذه المسائل مبكراً، يمكن أن يفتح سلسلة عقود مترابطة. وإذا تُركت للتفاوض بعد الإعلان، قد تتحول المذكرات إلى مشاريع معلقة بسبب الخلاف على من يملك التقنية ومن يتحمل المخاطر.
ما الذي قد يعطّل القفزة؟
أول العوائق هو اتساع الطموح: عشرات القطاعات تخلق صوراً كثيرة لكن تركيزاً قليلاً. والثاني المنافسة؛ فالشركات الأميركية والصينية والبريطانية والكورية وغيرها تعرض تمويلاً وتقنية وشروطاً مختلفة، ولن تحصل فرنسا على أفضلية دائمة بمجرد التقارب السياسي. والثالث ضغط الميزانيات وإعادة ترتيب بعض المشاريع السعودية الكبرى مع تغير أسعار النفط والعوائد المتوقعة. والرابع هو الحساسية السياسية داخل فرنسا تجاه التعاون الدفاعي والملف الحقوقي، وهي قادرة على رفع كلفة بعض الصفقات أو تأخيرها.
لذلك يجب الحكم على الزيارة بعد ستة أشهر وسنة، لا في يوم التوقيع. ما قيمة العقود الملزمة مقارنة بمذكرات التفاهم؟ كم مشروعاً وصل إلى إغلاق مالي؟ ما نسبة التوطين والتدريب؟ هل انعقدت لجان المجلس في مواعيدها؟ وهل أنتج التنسيق السياسي نتيجة ملموسة في ممرات الطاقة أو لبنان أو سوريا؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت باريس استعادت موقع «الشريك الكبير» أم اكتفت بلحظة دبلوماسية جيدة.
الخلاصة
تملك زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا عناصر الانتقال نحو «صفقة كبرى»: مجلس شراكة ينعقد للمرة الأولى، وفريق وزاري واسع، وحزمة اتفاقات، وحاجة متبادلة في الاقتصاد والطاقة والسياسة الإقليمية. لكن الشراكة السعودية الفرنسية لن تُقاس بضخامة اللغة أو بصورة الإليزيه. ستكون كبرى إذا صنعت محفظة مشاريع تموَّل وتُنفذ، ونقلت معرفة، ووسعت حصة الشركات الفرنسية من التحول السعودي، ومنحت الرياض قناة أوروبية مفيدة من دون أن تقيد تنوعها. أما إذا غلبت المذكرات على العقود وبقيت المتابعة مرتبطة بالقمم، فستظل العلاقة استراتيجية في الوصف وأصغر من إمكاناتها في الواقع.
اقرأ أيضاً: ماكرون في زيارة «استثنائية» للسعودية غداً.. ماذا يريد؟

