في الوقت الذي تستقطب المملكة العربية السعودية الشركات إليها، يصبح من المستغرب أن تغلق إحدى الشركات أبوابها، خصوصًا إذا كانت شركة محاماة، لأن تراخيص هذه الشركات ليس قديمًا ويعود فقط لعام 2023. وهذا ما حول خبر إغلاق شركة المحاماة البريطانية DWF لمكاتبها في الرياض من مجرد خبر عادي إلى خبر هام جداً، خصوصاً بعد وصف تقارير قانونية دولية خطوة DWF بأنها أول خروج لشركة محاماة عالمية من السعودية. وهذا ما يستدعي معرفة القصة وتفاصيلها، والبحث عن الحقيقة فيها.
كيف بدأت قصة DWF في السعودية؟
عند النظر إلى النهج الذي تسلكه المملكة العربية السعودية خلال السنوات السابقة، يمكننا القول بأنه منذ عام 2021 اتبعت نهجاً قائماً على جذب الشركات العالمية، وتعزيز مكانة المملكة الإقليمية. ومنذ ذلك الوقت كانت DWF من بين 44 شركة دولية وقعت اتفاقية لإنشاء مقر إقليمي لها في السعودية، ضمن مبادرة الاستثمار المستقبلي.
وبالفعل أسست الشركة DWF Arabia، وكان لديها قسم لخدمات الأعمال في مقرها الجديد، وتولى مهاب خطاب قيادة هذا القسم كرئيس تنفيذي، بعد أن انتقل إلى الشركة من الشركة السعودية للاستثمارات الصناعية، حيث كان يشغل منصب المستشار العام.
أما الجانب القانوني، فكان من المفترض أن يعمل من خلال شراكة مع شركة العوهلي وشركاه، بقيادة عبد الرحمن العوهلي، الذي كان يشغل سابقاً منصباً رفيعاً في شركة كلايد وشركاه.
لكن هذه الترتيبات لم تستمر بالشكل نفسه. ففي نوفمبر 2023 انضم العوهلي إلى شركة HFW كشريك تجاري في الرياض، بينما غادر مهاب خطاب DWF في فبراير 2025، ليتولى منصب المدير التنفيذي للإدارة القانونية في نيوم، الذي يعد من أضخم مشاريع رؤية السعودية 2030 والذي يهدف لتنويع الاقتصاد. ومع مرور الوقت قررت DWF إغلاق وجودها في الرياض.
هل غادرت DWF السوق السعودية فعلاً؟
هنا تحديداً تكمن النقطة التي قد تغير طريقة فهم هذا الخبر، فبحسب معلومات مؤكدة لم تحصل شركة DWF على ترخيص من وزارة العدل السعودية لمزاولة مهنة المحاماة في المملكة. وهذا يعني أنها لم تكن ضمن مكاتب المحاماة الأجنبية المرخصة التي بدأت دخول السوق السعودية بعد قرار فتحها أمام المكاتب الدولية في 2023.
لذلك، فإن القول إن شركة DWF تمثل أول مكتب محاماة أجنبي مرخص ينسحب من السعودية ليس دقيقاً. وفي الوقت نفسه، هذا لا يعني أن الشركة لم يكن لها وجود في المملكة. بل كان لها وجود بالواقع، وكانت تعمل ضمن مجال خدمة العملاء، لكن هذا يختلف تماماً عن وجودها كمكتب أجنبي حاصل رسمياً على ترخيص لممارسة المحاماة وفق القواعد الجديدة.
وتجدر الإشارة لفكرة مهمة، وهي أن الشركة لا تقول إنها لن تقدم خدماتها للعملاء بالسعودية، بل ستدعمهم عبر التعاون مع شركات محلية مستقلة، بالإضافة إلى الاستعانة بزملاء الشركة في مكاتب أخرى بالمنطقة، وذلك بحسب متحدث باسم الشركة.
اقرأ أيضاً: من دبي إلى الرياض.. لماذا يهرب عمالقة الإعلام العربي إلى العاصمة السعودية؟
السوق السعودية ما زالت جاذبة للمكاتب العالمية؟
إذا ابتعدنا قليلاً عن قصة DWF وأخذنا نظرة عامة على ما يحدث بالسعودية، فسنلاحظ بالتأكيد زيادة عدد مكاتب المحاماة العالمية التي تفتتح أفرعاً لها بالمملكة. فمثلاً في مارس 2023، منحت المملكة أولى تراخيصها لمكاتب المحاماة الأجنبية، وكان من بين الدفعة الأولى أسماء عالمية مثل كليفورد تشانس، وهيربرت سميث فري هيلز، ولاتام آند واتكينز.
ومنذ ذلك الوقت استمرت عمليات الترخيص بالتوسع، بينما استغلت المكاتب العالمية المشاريع الضخمة والتحولات الاقتصادية والقانونية التي تشهدها البلاد ضمن رؤيتها 2030.
وبحسب بيانات عامة تتبعها شركة بيريكال، يوجد نحو 35 مكتب محاماة عالمياً من بين أفضل 200 مكتب في العالم لديه مكاتب في السعودية. وهذا ما يدحض فكرة أن المكاتب العالمية بدأت تنسحب من الرياض، ويفسر قصة خروج شركة DWF منها. كما أن الشركة نفسها لم تنسحب من منطقة الشرق الأوسط، إذ ما زال لديها مكتبان في المنطقة، أحدهما في دبي والآخر في الدوحة.
وفي النهاية، يمكننا القول إن شركة DWF البريطانية غيرت طريقة وجودها في السعودية، حيث يوجد فرق كبير بين انسحاب شركة مرخصة وبين شركة غير مرخصة، أو وجودها قائم على ترتيبات معينة. وهذا يعني أن السعودية لا تزال تحمل ضمن قوانينها الجديدة ما يجذب الاستثمارات العالمية، ومن يجد فيها فرصة لتطوير شركته.
اقرأ أيضاً: مهنة المحاماة في المملكة.. واقعها والعمل على تطويرها

