انفتحت في الرياض نافذة واسعة على دمشق، فلم تعد العناوين مقتصرة على الدبلوماسية والبيانات، بل تقدّمت لغة الأرقام والقطاعات. حيث شهدت العاصمة السعودية في 24 أغسطس 2025 انعقاد «ملتقى الشراكة والاستثمار السعودي-السوري»، وتحوّل «مجلس الأعمال السعودي السوري» إلى منصة عملية ترسم أولويات الاستثمار وتجيب عن سؤال السوريين والسعوديين معاً: أين تبدأ إعادة البناء؟
«مجلس الأعمال السعودي السوري» يحدّد وجهته: طاقة ومياه وبنية تحتية
أكد الرئيس التنفيذي للمجلس عبد الله ماندو أنّ الهدف المباشر تمثّل في التعرّف إلى المستثمرين الجادّين وتلبية احتياجاتهم، موضحاً أنّ وزارة الاستثمار السعودية فتحت باب الاستثمار في سوريا، وأن مستثمرين سعوديين وسوريين يوجدون بالفعل في السوق السورية ويتابعون المستجدات أولاً بأول. عكس ذلك انتقالاً من النوايا العامة إلى خرائط طريق، إذ شدّد ماندو على أنّ القطاعات المستهدفة في المرحلة المقبلة تتقدّمها الطاقة والبنية التحتية والمياه، إلى جانب المصرفي والمالي والزراعة والأغذية والتجارة. وهكذا بدا «مجلس الأعمال السعودي السوري» كجهاز تشغيل يربط رأس المال بالمشروعات ذات الأولوية.
منتدى يوليو و47 اتفاقية
أبرز الملتقى ما تراكم منذ «منتدى الاستثمار السوري-السعودي 2025» الذي انعقد في دمشق خلال يوليو، وشهد توقيع 47 اتفاقية ومذكرات تفاهم تتجاوز 24 مليار ريال (نحو 6.4 مليار دولار) في قطاعات البنية التحتية والعقار والاتصالات والزراعة والخدمات المالية. ورسّخ المنتدى، وفق ما أعلنته «الشرق الأوسط» وذكرته تقارير دولية، اتجاهاً عملياً مدعوماً بإرادة سياسية واقتصادية.
كذلك، أوحى المسار التفاوضي الأخير بأن بيئة الأعمال يتم تبنيها قانونياً بقدر ما تُبنى مالياً. إذ أكّد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، قبل أيام من الملتقى، المضي في توقيع اتفاقية «تشجيع وحماية الاستثمارات» مع سوريا، بما يوفّر مظلة قانونية لحقوق المستثمرين ويحدّ من مخاطر السوق.
لماذا هذه القطاعات أولاً؟ قراءة في الأولويات
عكست قائمة الطاقة والبنية التحتية والمياه إدراكاً لحاجات سوريا العاجلة. فقد أعاد قادة الأعمال السعوديون والسوريون في لقاءات الرياض التأكيد على دعم إعادة تطوير منظومة الطاقة، من المشاريع التقليدية إلى المتجددة، باعتبارها شرطاً لعودة المصانع والخدمات وامتصاص البطالة. وجاء التركيز على شبكات المياه والطرقات والجسور كمدخل لاستيعاب أي تدفقات استثمارية لاحقة في الصناعة والزراعة والخدمات. وبدا «مجلس الأعمال السعودي السوري» هنا بوابة تنسيق بين رأس المال الخاص ومتطلبات الدولة، بما يحوّل الخطط إلى جداول تنفيذ.
وتقاطعت دينامية المجلس مع مسار إقليمي ودولي أتاح حيزاً أوسع للحركة. أسهمت خطوات تخفيف/إعفاء العقوبات الأمريكية خلال مايو 2025، عبر رخص عامة وتجميد جزئي لبعض بنود «قيصر»، في فتح قنوات تمويل واسعة زمنياً ومجالياً، وإن بقيت مشروطة وتحت رقابة. عند هذه النقطة، صار بمقدور «مجلس الأعمال السعودي السوري» الاستفادة من نافذة زمنية لتسريع تعاقدات الطاقة والمياه والبنية التحتية، ريثما تتضح صورة الإطار الدائم للعقوبات.
أين تتجه الخطوة التالية؟
ختاماً، عندما وقّع المستثمرون 47 اتفاقية في يوليو ثم اجتمعوا في الرياض خلال أغسطس، بدت الأسئلة العملية أكثر حضوراً: كيف تُموَّل المشاريع الكبرى؟ ما ترتيب الأولويات بين محطات الكهرباء، وشبكات المياه، والطرق؟ وكيف تُصاغ شراكات تضمن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية؟ هنا يتقدّم «مجلس الأعمال السعودي السوري» كهيكل تنسيقي يتولّى حلحلة الإجراءات، وتسهيل دخول الشركات، وتبادل البيانات بين الجهات السعودية والسورية، وصولاً إلى تحويل الاتفاقيات إلى ورش عمل على الأرض. وإذا كان عنوان المرحلة في سوريا هو التعافي، فإن معيار نجاح المجلس سيكون سرعة الإنجاز وجودته وقدرته على تحويل الاستثمار إلى خدمات ملموسة للمواطنين.
اقرأ أيضاً: تتجاوز قيمتها 11 مليار ريال.. الفالح يعلن عن حزمة اتفاقيات استثمارية ضخمة في سوريا

