تشهد مدينة العلا السعودية تصوير أول فيلم روائي عالمي تحت اسم” Chasing Red، وذلك بالتعاون بين Film AlUla وStampede Ventures، فيما تحمل هذه الشراكة برنامج تدريب سينمائى مع إنتاج 4 أفلام سينمائية مخصصة للاستفادة من الطبيعة الخلّابة للعُلا مع بنيتها التحتية الحديثة، وفي هذا السياق يُطرح تساؤل هام: ما هي الأهمية الاستراتيجية للدور السينمائي السعودي المتصاعد؟
للحديث عن ذلك مع الغوص في تفاصيل الطبيعة الخلابة للعُلا وجاذبيتها الاستثمارية مع أبعادها الاقتصادية، تابع مقالنا التالي:
مدينة العلا والريادة السينمائية
انطلاقاً من التوجه الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية في تطوير المشهد الترفيهي، يعكس الدور السينمائي للعُلا أهمية استراتيجية تتخطى مسألة الاستضافة النوعية لمواقع التصوير العالمية، لتعزز مكانة السعودية موجهة عالمية للإنتاج السينمائي.
فيما يعتبر التعاون بين Film AlUla وStampede Ventures لتصوير “Chasing Red” الفيلم الروائي الأطول ضمن استديوهات العُلا الجديدة، استثماراً للقوة الناعمة على مستوى العالم، وذلك وفقاً لما رأته المجلة الأمريكية “ذا هوليود ريبورتر” التي أشادت بأهمية العُلا كوجهة عالمية ذات أهمية طبيعية وتاريخية عملاقة.
وعلى ذلك، فإن الاستثمار النوعي للتكوينات الصخرية والمقابر النبطية إضافة إلى المواقع الأثرية المدرجة على قائمة اليونسكو والتي تمثل خلفيات إنتاجية مهيبة، ما يعكس الصورة السياحية والثقافية للمملكة على نطاق دولي أوسع، ويعزز الحضور السعودي العالمي في الوقت الذي تشهد فيه المملكة اهتماماً دولياً متصاعداً لمختلف مجالاتها.
منظومة إنتاجية مستدامة
كما تكمن القيمة الاستراتيجية الأعلى لاتفاقيات التعاون السينمائي العالمية، في تشكيل منظومة إنتاجية مستدامة، تترجمها البنية التحتية المميزة لاستديوهات العُلا المُدارة من قبل MBS، والتي تشمل مسرحي تصوير إلى جانب المرافق الإنتاجية الضخمة التي تُقدّر بحوالي 18 ألف قدم مربعة، متضمنةً أبنية خدمية تموينية، مع مستودعات خاصة بالألبسة والديكورات، فضلاً عن المساحات الشاسعة التي توفرها لإقامة مواقع التصوير العملاقة.
علاوة على ذلك، يمكن القول إن الاستثمار الناعم المتمحور حول الإنجازات السينمائية على الأرض السعودية، يتخطى كونه مشروع صفقة عابر، بل يعتبر دفعاً حقيقياً اقتصادياً واجتماعياً من خلال تركيزه على تنمية الإمكانيات المحلية وفرص العمل المتاحة ضمن المجال الإبداعي، ما يُسهم بشكل مباشر في بناء واستحداث الكوادر الوطنية المتخصصة، ويعزز الهدف الرئيسي للمملكة بحجز مكانتها العالمية كوجهة استثنائية رائدة للترفيه والإنتاج السينمائي.
أرقام ضخمة لتنويع الاقتصاد
دعمتِ المملكة العربية السعودية مدينة العلا بفرص استثمارية استثنائية بما يتماشى مع تحقيق أهداف رؤية 2030، ترسيخاً لأهميتها التاريخية والسياحية، ما يحقق التحول النوعي نحو استغلال إمكاناتها لإبراز الدور السعودي العالمي كوجهة سياحية فريدة.
وإلى ذلك، أكد مخطط التنمية الشاملة للهيئة الملكية تحديد ما يزيد عن 15 مليار دولار للتطوير مع بداية 2035، بما يضمن التنويع بمصادر الدخل بعيداً عن القوة النفطية، إضافة إلى تعزيز المساهمة السياحية في الاقتصاد الوطني.
وبلغة الأرقام، تترجم السعودية هذه الأهداف من خلال تخصيصها 3.8 مليار دولار لتطوير المحافظة خلال سنة 2025 فقط، وذلك ضمن موازنةٍ ترمي إلى إتاحة فرص استثمارية تُقدّر بمبلغ 10.9 مليار دولار أي ما يعادل41 مليار ريال سعودي، على أن يتمّ توزيعها على القطاعين العام والخاص.
بينما يعكس اهتمام المملكة بالإنفاق الضخم الأهمية التاريخية للعُلا والتي يتجاوز عمرها 7 آلاف عام، سعياً نحو تحويلها إلى مركز استقطاب سياحي عالمي على غرار البتراء الأردنية ذات القيمة الثقافية والتراثية العالمية، وفقاً لرأي الخبير الاقتصادي سالم باعجاجة.
كما أكد باعجاجة استقبال مدينة العلا السعودية خلال سنة 2025 حوالي 300 ألف زائر، غالبيتهم من الصين والولايات المتحدة إضافة إلى إنجلترا، فيما يرتكز استهدافها على استقبال مليون سائح مع بداية 2030، وهذا ما يعزو تخصيص المملكة 3.73 مليار دولار لتطوير المدينة أي ما يقارب 14 مليار ريال من بينها تمويل بمقدار 10% من القطاع الخاص، وهذا ما يجسّد إدراكاً متنامياً للقيمة العالمية للعُلا من مختلف النواحي الثقافية والتراثية إلى جانب السياحة المستدامة حسب تعبيره.
وبنظرة مستقبلية، يتوقع الخبراء أن تعكس أرقام هذه الاستثمارات المهمة دعماً ملموساً للاقتصاد الوطني لما يصل إلى 32 مليار دولار مع حلول سنة 2035، كما يمكن أن يوفر حوالي 38 ألف فرصة عمل، ما يؤكد أن العُلا تجسيد لنموذج شامل ومتكامل للتنمية والسياحة المستدامة، التي من شأنها تحقيق التوازن المثالي بين التنمية الاقتصادية من جهة والمحافظة على الثروة التراثية والبيئية من جهة أخرى.
ختاماً، يتضح لنا البعد الاستراتيجي للأهمية العميقة الكامنة في مدينة العلا إحدى أهم الثروات الناعمة للمملكة العربية السعودية، بكل ما تحمله من أبعاد تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني، فضلاً عن ترسيخها لمكانة المملكة كوجهة سينمائية وسياحية عالمية.
اقرأ أيضاً: 50.1% صدمة سوقية: المستثمر الاستراتيجي يتربع على عرش السوق المالي

