في أمسية السابع من سبتمبر 2025 أعلنت القاهرة، وبحضور رئيس الوزراء، عن انطلاق مشروع «مراسي البحر الأحمر» بشراكة سعودية وإماراتية، في خطوة لا تتعلق بتشييد حجارةٍ على الساحل بقدر ما تتعلق برسم هندسة اقتصادية واجتماعية جديدة لبوابة مصر الشرقية على العالم. وهذا الإعلان ليس حدثاً بروتوكولياً عابراً؛ بل تعهّداً بتكوين مدينة سياحية عصرية تمتد على نطاق واسع وتعيد تعريف علاقة المستثمر بالوجهة، والوجهة بالمجتمع، والمجتمع بالفرص.
مراسي البحر الأحمر.. 900 مليار!
يمتاز «مراسي البحر الأحمر» بحجمٍ واستراتيجية تمويل غير مسبوقين؛ إذ تتجاوز استثماراته 900 مليار جنيه مصري (نحو 18.5 مليار دولار)، وتقوم عليه شراكة تجمع «إعمار مصر» مع شركاء سعوديين على رأسهم «سيتي ستارز»، في مشروع حضر توقيع عقوده كبار مسؤولي الدولة، ما يمنحه قوة تنفيذية وإشرافاً مؤسسياً مباشراً. وتتوزع أعمال التطوير على مساحة تفوق 10 ملايين متر مربع، بما يعادل مدينة متكاملة المخطط والوظيفة، وبقدرات تؤهلها لتكون وجهة عالمية لا موسمية.
من الوظائف إلى العملة الصعبة
لا يقف المشروع عند حدود الترفيه والضيافة؛ فالمعادلة التنموية فيه واضحة: ضخ رؤوس أموال خليجية طويلة الأجل مقابل عوائد تشغيلية وسياحية مستدامة. التقديرات الأولية تشير إلى فرص عمل قد تصل إلى 170 ألف وظيفة أثناء الإنشاء ونحو 25 ألف وظيفة دائمة بعد التشغيل، وهي أرقام تترك أثراً مباشراً على معدلات البطالة ومستوى الدخول وتدفقات النقد الأجنبي المرتبطة بإنفاق السياح وإيرادات المراسي والفنادق والمراكز التجارية. وإلى جانب ذلك، يندرج «مراسي البحر الأحمر» ضمن خطة أوسع لإعادة تقييم وإدارة أصول الدولة الساحلية بما يضمن تعظيم العائد على العقار العام وتوسيع قاعدة الشركاء الاستراتيجيين.
مدينة سياحية ذكية بتوقيع البحر
تتسع رؤية «مراسي البحر الأحمر» لبرنامج عمراني وخدمي متكامل: شبكة فنادق فاخرة، ومارينا بمعايير عالمية، وقنوات مائية قابلة للملاحة، وبحيرات للسباحة، ومساحات خضراء ممتدة، بالإضافة إلى مكونات معيشية وخدمية تعزز قابلية السكن والعمل على مدار العام. وتشير البيانات المعلنة إلى قرب الموقع من مطار الغردقة بما يعزز الوصولية ويقلل زمن الرحلة إلى الوجهة، مع توجه لتوزيع مجموعة من الفنادق والوحدات السكنية عبر مناطق المشروع لضمان حيوية المكان وتنوع تجاربه. وهذه التفاصيل ليست ترفاً تصميمياً، بل جزء من استراتيجية تسويق المكان باعتباره «مدينة على البحر» لا منتجعاً موسمياً.
شراكة تتجاوز التمويل
اللافت في «مراسي البحر الأحمر» ليس حجم الاستثمار فحسب، بل طبيعة التحالف الخليجي-المصري الذي يقف خلفه، وهو نموذج يتجاوز دورة رأس المال إلى بناء الثقة المؤسسية وتوزيع المخاطر وتعميق الروابط الإقليمية في قطاع السياحة الفاخر. ووجود مطورين ذوي سجل في مشروعات ساحلية كبرى، إلى جانب إشراف حكومي مباشر على العقود، يمنح المشروع قدرة على الوصول إلى أسواق التمويل وخبرات التشغيل العالمية، ويؤسس لقابلية تكرار التجربة على شواطئ أخرى إذا ما أثبتت الأرقام صحة الفرضيات.
التحديات على الطريق: البيئة والحوكمة وسلسلة الإمداد
كل مشروع عملاق يواجه امتحاناته. في حالة «مراسي البحر الأحمر»، يتمثل الامتحان الأول في حوكمة التنفيذ عبر مراحل تمتد لسنوات، وضمان التوازن بين السرعة والجودة. التحدي الثاني بيئي بامتياز: حماية الشعاب المرجانية والموائل الساحلية، وإدارة الموارد المائية والطاقة بفاعلية، وتبني معايير بناء خضراء تقلص الانبعاثات وتدعم الاستدامة. أما الامتحان الثالث فهو اقتصادي-اجتماعي: تعظيم المكوّن المحلي في سلسلة الإمداد، وربط المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالفرص التي تخلقها المدينة، وتمكين القوى العاملة بالتدريب والمهارات المناسبة. إن نجاح «مراسي البحر الأحمر» سيقاس بقدرته على تحويل الإنفاق الرأسمالي الكبير إلى قيمة مضافة موزعة عادلاً على المجتمع والبيئة والميزان الخارجي.
ماذا بعد؟
إذا كان الإعلان لحظة ولادة، فإن السنوات المقبلة ستكشف قدرة «مراسي البحر الأحمر» على التحول من فكرة طموحة إلى حالة تنموية قابلة للقياس: زيادة في ليالي الإشغال، توسع في شبكة الرحلات، ارتفاع في متوسط الإنفاق السياحي، وتحسن في صافي العملة الصعبة. وحين تتلاقى بنية تحتية ذكية مع خبرات تشغيل عالمية وشراكات إقليمية ناضجة، يمكن للبحر أن يصبح أكثر من مشهد طبيعي؛ يمكنه أن يكون منصة اقتصادية جديدة للنمو…
اقرأ أيضاً: وجهة جديدة في عالم النجوم.. هكذا أصبحت السعودية قبلة السياحة الفلكية

