يشهد قطاع الورد الطائفي في المملكة العربية السعودية ازدهاراً كبيراً بسبب السياسات الحكومية الداعمة لأصحاب المزارع، حيث يتم تقديم كافة التسهيلات بهدف تعزيز الإنتاج الزراعي وتحقيق الاستدامة الاقتصادية. وبدأت نتائج هذه السياسات تظهر مع تفتح الأزهار، ونشاط حركة مزارع الورد. ويعد برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة “ريف السعودية” كأحد أهم المحركات التي أسهمت في تحويل مزارع تقليدية إلى نماذج متكاملة تجمع بين الزراعة والسياحة، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المزارعين والمنتجين.
من خلال البرنامج السابق، ذاع صيت إحدى مزارع محافظة الطائف التابعة للمواطن سلمان الطويرقي، بعدما أصبحت مثالاً حياً على نتائج الدعم والإرشاد الحكومي، إذ استطاعت أن تتحول إلى وجهة ريفية متكاملة تنتج كميات كبيرة من الورد الطائفي، إلى جانب مجموعة واسعة من المنتجات التحويلية. هذا التنوع لم يقتصر على رفع القيمة الاقتصادية للمنتج، بل أسهم أيضاً في جذب الزوار من داخل المملكة وخارجها، مما أنعش حركة السياحة الريفية في المنطقة.
ويؤكد صاحب المزرعة أن الدعم الذي تلقاه لم يكن مادياً فقط، بل شمل الإرشاد والتوجيه الذي ساعده على تطوير أساليب الزراعة والإنتاج. ويشير إلى أن المناخ المعتدل في الطائف يلعب دوراً أساسياً في جودة وكثرة إنتاج الورد، وهو ما جعل هذا المنتج يحمل هوية المحافظة ويعكس تميزها.
وتبدأ رحلة إنتاج الورد الطائفي بعناية دقيقة، حيث تُقلم الأشجار في بداية العام استعداداً للموسم الجديد، ثم تبدأ بالإزهار تدريجياً قبل أن يتم قطفها في وقت مبكر من الصباح للحفاظ على جودة الزيوت العطرية. بعد ذلك، تمر الورود بمراحل متعددة لاستخلاص الزيوت وتصنيع منتجات متنوعة مثل العطور، ومستحضرات العناية بالجسم، والمشروبات، وحتى بعض المأكولات التقليدية.
تكامل التجربة بين الإنتاج والسياحة
لم يعد الورد الطائفي مجرد محصول زراعي، بل أصبح عنصراً أساسياً في قطاع السياحة، وتم إدراجه ضمن الأنشطة الترفيهية التي تستحق التجربة، حيث توفر المزرعة للزوار فرصة التعرف على مراحل الإنتاج عن قرب، إلى جانب الاستمتاع بالطبيعة الخلابة والروائح العطرية المميزة. كما تقدم خدمات متنوعة تشمل التنزه وتذوق المأكولات الشعبية، مما يعزز من جاذبية المكان ويمنح الزائر تجربة ثقافية متكاملة.
ويحرص القائمون على المشروع على تطوير المزرعة بشكل مستمر، من خلال الاستماع إلى آراء الزوار وإضافة لمسات جمالية مثل الديكورات الكلاسيكية والعناصر التراثية، تمنح المكان روحه المميزة. عدا عن أن الدمج بين الزراعة والسياحة أسهم في زيادة الطلب على منتجات الورد، ورفع مستوى الدخل للمزارعين، بالإضافة إلى تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة بشكل عام.
والجدير بالذكر أن قطاع الورد يشهد نمواً ملحوظاً، حيث ارتفعت كميات الإنتاج بشكل سنوي، مع ازدياد الطلب المحلي والعالمي. وتعد محافظة الطائف من أبرز مناطق الإنتاج، حيث تنتشر مزارع الورد في عدد من المواقع المعروفة مثل الهدا، والشفا، ووادي محرم، وجنوب الطائف، والحوية والسيل.
وبحسب المتحدث الرسمي لبرنامج ريف السعودية ماجد البريكان، تغطي زراعة الورد مساحة تقدر بنحو 700 هكتار، تضم ما يقارب 1300 مزرعة، وتنتج سنوياً نحو 500 مليون وردة، مما يعكس حجم هذا القطاع وأهميته الاقتصادية. كما تحتضن المحافظة عشرات المعامل المتخصصة في استخلاص الزيوت وصناعة العطور، وهو ما يعزز من القيمة السوقية للورد الطائفي ويدعم الصناعات المرتبطة به.
وتستند هذه المكانة إلى عوامل طبيعية مميزة، إذ توفر بيئة الطائف ومناخها المعتدل ظروفاً مثالية لنمو النباتات العطرية. وتمتاز هذه النباتات بكفاءتها العالية في استهلاك المياه، إلى جانب انخفاض تكاليف زراعتها وجمعها، مما يجعلها خياراً اقتصادياً بالنسبة للمزارعين. ومع تنوع هذه النباتات وازدياد استخدامها، سواء في صناعة العطور أو في المجالات العلاجية والغذائية، ارتفع الطلب عليها محلياً وعالمياً، خاصة في ظل نمو سنوي يتراوح بين 10% و15%.
ورغم هذا النمو، لا تزال هناك تحديات تتطلب المزيد من الجهود، مثل الحاجة إلى تطوير الدراسات البحثية وتحسين سلالات النباتات، وتعزيز دور الجمعيات التعاونية لدعم صغار المزارعين وتسهيل حصولهم على التمويل والخدمات.
ختاماً، يمثل الورد الطائفي نموذجاً ناجحاً لكيفية تحويل الموارد الطبيعية إلى فرص اقتصادية وسياحية واعدة. ومع استمرار الدعم والتطوير، يمكن القول أن لهذا القطاع مستقبلاً مزدهراً، ليس كمصدر دخل للمزارعين فقط، بل أيضاً كمقصد سياحي وثقافي يعكس جمال البيئة السعودية وتنوعها.
اقرأ أيضاً: كوخ العسل في عسير.. كنز طبيعي بين أحضان الجبال

