في كل عام، ومع اقتراب يوم التروية، يبدأ مشعر منى شرق مكة المكرمة بالتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر المدن الموسمية ازدحاماً وتنظيماً على مستوى العالم، حيث تستقبل المنطقة ملايين الحجاج القادمين من مختلف الدول لأداء مناسك الحج ضمن منظومة تشغيلية معقدة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وإدارة الحشود والبنية التحتية المتطورة.
ولم تعد منى تُعرف فقط بصفوف الخيام البيضاء الممتدة بين الجبال، بل أصبحت نموذجاً عالمياً لما تصفه السعودية بـ”أنسنة المشاعر”، عبر مشاريع تطوير متواصلة تهدف إلى تحسين تجربة الحاج ورفع مستويات السلامة والراحة والخدمات خلال أيام الحج.
مدينة منى موسمية بإدارة ذكية
تتحول منى خلال موسم الحج إلى مدينة متكاملة الخدمات تدار بكفاءة تشغيلية عالية، بدءاً من شبكات الطاقة والتبريد، مروراً بمنظومات التفويج وإدارة الحشود، ووصولاً إلى الخدمات الصحية والأمنية والغذائية.
وتعتمد إدارة المشعر على أنظمة مراقبة وتحكم لحظية لمتابعة حركة الحجاج وتنظيم تدفقهم داخل الممرات والجسور ومناطق رمي الجمرات، بهدف تقليل الازدحام وضمان انسيابية الحركة في واحدة من أكثر البيئات كثافة بشرية في العالم خلال فترة زمنية قصيرة للغاية. ويمتد مشروع الخيام المطورة في منى على مساحة تقدر بنحو 2.5 مليون متر مربع، فيما تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمشعر 2.6 مليون حاج، ضمن خيام مجهزة بوسائل السلامة والتكييف ومقاومة للحريق.
مشاريع تطوير متواصلة في موسم الحج
شهد موسم حج 2026 تنفيذ سلسلة مشاريع تطويرية جديدة ركزت على تحسين البيئة المكانية داخل المشعر، من خلال زيادة المساحات المظللة، وتوسعة مناطق الاستراحة، وتحسين المشهد الحضري، إضافة إلى تطوير مسارات المشاة لتصبح أكثر مرونة وانسيابية.
كما توسعت مشاريع الإسكان المطور، ومن أبرزها مشروع “رابية كدانة” ومخيمات “كدانة الخيف”، التي أضافت مساحات سكنية حديثة بالقرب من منشأة الجمرات، مع الاعتماد على حلول هندسية متطورة في التهوية والتظليل وإدارة الحركة. وتسعى هذه المشاريع إلى رفع جودة الخدمات المقدمة للحجاج وتقليل الإجهاد الناتج عن التنقل والزحام وارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً مع الزيادة المستمرة في أعداد الحجاج عاماً بعد آخر.
منشأة الجمرات.. قلب إدارة الحشود
في قلب مشعر منى تقف منشأة الجمرات باعتبارها واحدة من أكبر المشاريع الهندسية المتخصصة بإدارة الحشود على مستوى العالم، إذ صُمم الجسر متعدد الطوابق ليستوعب نحو 300 ألف حاج في الساعة. ويمتد المشروع بطول 950 متراً وعرض 80 متراً، مع بنية تحتية تسمح مستقبلاً بإضافة طوابق إضافية عند الحاجة، فيما يضم 11 مدخلاً و12 مخرجاً و328 سلماً كهربائياً لتسهيل حركة الحجاج وتقليل نقاط الاختناق.
كما زودت المنشأة بأنظمة تبريد وتلطيف هواء تعتمد على ضخ الرذاذ المائي، بما يساعد على خفض درجات الحرارة داخل المنطقة المزدحمة، إلى جانب مهبط مخصص للطائرات المروحية المستخدمة في حالات الطوارئ والإخلاء الطبي. ويرى مختصون أن تطوير منشأة الجمرات ساهم بشكل كبير في الحد من الحوادث المرتبطة بالتدافع والزحام التي شهدتها المنطقة في عقود سابقة، عبر اعتماد دراسات دقيقة لحركة الحشود وتوزيع التدفقات البشرية.
استثمار ضخم لخدمة أيام محدودة
ورغم أن مناسك الحج الأساسية في المشاعر المقدسة تستمر لعدة أيام فقط سنوياً، إلا أن السعودية تخصص استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالحج، تشمل إنشاء طرق وأنفاق ومستشفيات وشبكات اتصالات ومرافق تشغيلية متكاملة. وتشير تقارير ودراسات محلية إلى أن التحضيرات لكل موسم حج تبدأ قبل أشهر طويلة، بمشاركة عشرات الجهات الحكومية والخدمية والأمنية، ضمن خطط تشغيل دقيقة تهدف إلى إدارة أكبر تجمع بشري موسمي في العالم بأعلى درجات الكفاءة والسلامة.
ومع كل موسم جديد، تتحول منى إلى مختبر عملي ضخم لإدارة المدن المؤقتة والحشود العملاقة، حيث تمتزج التكنولوجيا بالبنية التحتية والخدمات اللوجستية في مساحة محدودة تستضيف ملايين البشر بلغات وثقافات وخلفيات مختلفة، ثم تعود بعد أيام قليلة إلى منطقة هادئة تنتظر الموسم التالي.

