تخطط شركة «هيوماين HUMAIN» السعودية لتمويل مراكز بيانات وشراء معالجات رسومية تكفي لبناء قدرة حوسبة تصل إلى 2 غيغاواط في منطقة الرياض، بكلفة تمويلية لا تقل عن 20 مليار ريال، وفق ما نقلته وسائل إعلام كبرى في مايو 2026. وقبل ذلك حصلت الشركة على إطار تمويل يصل إلى 1.2 مليار دولار لتطوير 250 ميغاواط، فيما تستهدف على المدى الأبعد قدرة تقارب 6 غيغاواط بحلول 2034. هذه الأرقام تنقل مشروع الذكاء الاصطناعي السعودي من شراء تطبيقات وخدمات جاهزة إلى استثمار مباشر في الأصل الذي أصبح الأكثر ندرة في الصناعة، وهو القدرة الحاسوبية نفسها.
تسمي «إنفيديا NVIDIA» هذه المنشآت «مصانع الذكاء الاصطناعي». المصطلح قد يوحي بمصانع للرقائق، لكنه يعني مراكز حوسبة ضخمة تستقبل الكهرباء والبيانات وتشغل آلاف المعالجات لتدريب النماذج وتشغيلها للمستخدمين والشركات. السعودية لا تبني حتى الآن صناعة مستقلة لإنتاج الشرائح المتقدمة، لكنها تحاول امتلاك جزء أكبر من الطبقة التي تقع بين الرقاقة والتطبيق، من مركز البيانات والطاقة والشبكات إلى السحابة والنماذج والعملاء. هنا يتحدد ما إذا كانت الاستثمارات الجديدة توطيناً حقيقياً للبنية أم شراءً أكبر حجماً للتقنية الأجنبية.
مصانع الذكاء الاصطناعي من الشراء إلى التشغيل
أطلق صندوق الاستثمارات العامة «هيوماين» في مايو 2025 بوصفها شركة مملوكة له تعمل عبر سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، ويرأس مجلس إدارتها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. يشمل نطاقها المعلن مراكز البيانات والبنية الحاسوبية والسحابة والنماذج المتقدمة والحلول القطاعية، إلى جانب شراء العتاد وتطوير الملكية الفكرية وجذب المواهب. هذا التصميم يختلف عن مؤسسة حكومية تشتري برنامجاً من مورد خارجي، لأنه يجعل الشركة مسؤولة عن بناء القدرة وبيعها وتشغيلها.
جاءت أكبر إشارة مادية بعد يوم واحد من إطلاق الشركة. أعلنت «إنفيديا» عن اتفاق لبناء «مصانع ذكاء اصطناعي» في المملكة بقدرة مخطط لها تصل إلى 500 ميغاواط خلال خمس سنوات، باستخدام مئات آلاف المعالجات المتقدمة. المرحلة الأولى تتضمن 18 ألف معالج من منظومة GB300 Grace Blackwell مع شبكات InfiniBand. الرقم مهم لأن المعالج هنا جزء من نظام يتطلب كهرباء وتبريداً وربطاً شبكياً وبرمجيات تشغيل ومهندسين قادرين على إبقاء آلاف الوحدات تعمل بكفاءة عالية.
لم تعتمد هيوماين على مورد واحد. وقعت مع «إيه إم دي AMD» تعاوناً تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار لنشر 500 ميغاواط خلال خمس سنوات، على أن تتولى الشركة السعودية التسليم الكامل للمراكز والطاقة والربط بالألياف، بينما توفر AMD المعالجات ووحدات الرسوميات ومنظومة ROCm البرمجية. وقال مسؤول في AMD لـ«رويترز» إن تنويع الموردين جزء من تجنب الارتباط بمنصة واحدة، وهي نقطة مهمة لأن تكلفة الانتقال بين معماريات الحوسبة والبرمجيات أصبحت عنصراً استراتيجياً في سوق الذكاء الاصطناعي.
أضيفت إلى ذلك شراكة تتجاوز خمسة مليارات دولار مع «أمازون ويب سيرفيسز AWS» لإقامة منطقة ذكاء اصطناعي، ثم ترتيبات مع «كوالكوم Qualcomm» ومشروعات مع «سيسكو Cisco» و«إكس إيه آي xAI». في نوفمبر 2025 أعلنت هيوماين وAMD وسيسكو مشروعاً مشتركاً يبدأ بمركز 100 ميغاواط في السعودية، وقال الرئيس التنفيذي طارق أمين إن شركة «لوما إيه آي Luma AI» تعاقدت على كامل قدرته. وجود عميل يدفع مقابل الحوسبة يفرق بين بنية تُبنى على توقعات مستقبلية وبنية دخلت فعلياً في دورة تجارية.
ما الذي أصبح محلياً
الملكية المحلية واضحة في العقار والطاقة والتمويل وإدارة المشروع. هيوماين مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، والصندوق يدفع باتجاه جمع مبادرات مراكز البيانات تحت منصة واحدة، بينما يدخل صندوق البنية التحتية الوطني في تمويل السعات الجديدة. إذا جرى تنفيذ الـ 2 غيغاواط المعلنين في الرياض، ستكون جهة سعودية هي التي تملك أو تدير عقود القدرة وتقرر لمن تباع الحوسبة وبأي نموذج تجاري. هذه خطوة أبعد من شراء اشتراك سحابي من مركز بيانات خارج المملكة.
المستوى الثاني هو التشغيل. «مصنع الذكاء الاصطناعي» يحتاج إلى مهندسي شبكات وطاقة وتبريد وأمن سيبراني وإدارة أحمال، ثم إلى فرق تبني طبقة السحابة والخدمات فوق العتاد. اتفاقات هيوماين تتضمن برامج تدريب ومراكز هندسية، كما أن الشركة تعلن تطوير نماذج عربية وحلولاً لقطاعات مثل الطاقة والصحة والصناعة والتمويل. القيمة المحلية سترتفع كلما انتقلت هذه الوظائف من فرق الموردين إلى كوادر تعمل داخل الشركة والسوق السعودية بصورة دائمة.
المستوى الثالث هو الطلب. مراكز البيانات لا تتحول إلى صناعة لمجرد امتلائها بالمعالجات. تحتاج إلى زبائن يشترون ساعات تدريب واستدلال بعقود طويلة، سواء كانوا شركات سعودية أو عملاء عالميين. تعاقد «لوما إيه آي» على 100 ميغاواط يعطي نموذجاً أولياً، واستثمار هيوماين في xAI يربطها أيضاً بشركة كبيرة تحتاج إلى الحوسبة. النجاح سيظهر إذا استطاعت المملكة تصدير القدرة الحاسوبية كما تصدر خدمات أخرى، بحيث تأتي إيرادات من الخارج بدل أن يكون المشروع إنفاقاً رأسمالياً لخدمة السوق المحلية فقط.
السعودية تملك ميزة محتملة في الطاقة والأرض والتمويل. مراكز الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء، و«رويترز» أشارت إلى أن انخفاض تكلفة الطاقة من دوافع بناء السعات في المملكة. لكن الميزة تحتاج إلى حساب كامل للكلفة، بما في ذلك الشبكة الكهربائية والتبريد والمياه والمعدات الاحتياطية. كل ميغاواط يستخدم في مركز بيانات له تكلفة فرصة بديلة، وخصوصاً مع نمو الطلب على الكهرباء من الصناعة والمدن والمشروعات الجديدة.
الاعتماد الخارجي لم ينته
تبقى أكثر مكونات السلسلة تعقيداً خارج السعودية. المعالجات المتقدمة تأتي من «إنفيديا» وAMD و«كوالكوم»، ومعدات الشبكات من شركات مثل «سيسكو»، والسحابة والبرمجيات تعتمد على منظومات أميركية واسعة. حتى عندما تملك هيوماين مركز البيانات، فإن أداء المركز وتوسعه يرتبطان بتوريد رقائق لا تصنع محلياً وبقواعد تصدير تضعها واشنطن. اتفاقات 2025 نفسها ظهرت في سياق موافقات أميركية على توريد شرائح متقدمة إلى الخليج.
لهذا لا يساوي امتلاك مراكز البيانات سيادة تقنية كاملة. يمكن للسعودية أن تمتلك الأرض والطاقة والخوادم وعقود العملاء، بينما تبقى طبقة السيليكون والبرمجيات الأساسية ومعدات التصنيع في الخارج. تقليل هذا الاعتماد يتطلب سنوات من بناء البحث والتطوير، والمشاركة في تصميم الرقائق أو البرمجيات المفتوحة، وتطوير أدوات تشغيل تستطيع الانتقال بين الموردين من دون خسائر كبيرة في الأداء.
المخاطرة الثانية مالية. بناء 2 غيغاواط يحتاج إلى تمويل لا يقل عن 20 مليار ريال وفق المصادر التي تحدثت إلى الإعلام، بينما يستهدف المشروع نحو 6 غيغاواط في 2034. القدرة الحاسوبية تفقد جزءاً من قيمتها بسرعة مع ظهور أجيال جديدة من الشرائح، ولذلك يحتاج المستثمر إلى معدل استخدام مرتفع وعقود مستمرة كي يسترد رأس المال قبل تقادم المعدات. إعلان خطط بقدرات ضخمة لا يثبت وحده أن الطلب سيملأها.
توجد أيضاً مسألة توقيت التنفيذ. في نوفمبر 2025 قال طارق أمين إن البناء لم يبدأ بعد في المشروعات المختلفة التي كانت قيد الإعداد آنذاك، بينما ظهرت خلال 2026 حزم تمويل وخطط أكثر تحديداً. يجب لذلك الفصل بين القدرات المتعاقد عليها والممولة، والقدرات التي دخلت الإنشاء، وتلك التي أصبحت متصلة بالشبكة وتبيع الخدمة بالفعل. هذا المعيار يمنع تحويل التفاهمات إلى أصول قائمة قبل اكتمالها.
مع ذلك، تغيرت طبيعة المشروع السعودي بوضوح. بنت المملكة شركة وطنية تجمع التمويل والطاقة والحوسبة والسحابة والنماذج في خطة واحدة، وتفاوض أكبر موردي العالم من موقع المشتري والمشغل، بدلاً من حصر دورها في استيراد برنامج أو استضافة شركة تقنية. الانتقال إلى امتلاك البنية بدأ فعلاً، أما الاستقلال التقني فما زال أبعد. وسيقاس التقدم بحجم الحوسبة التي تعمل وتباع، ونسبة التشغيل المحلي، والملكية الفكرية المنتجة في المملكة، وقدرة المنصة على العمل مع أكثر من مورد، لا بإجمالي قيمة الاتفاقات المعلنة.
اقرأ أيضاً: سدايا.. إطار وطني يرسخ الثقة بالذكاء الاصطناعي

