لم تكن قصة الصناعة السعودية يوماً حبيسة النفط. في غرب المملكة، وعلى أرضٍ تمتد مئات الآلاف من الأمتار في مدينة ينبع الصناعية، تشق مبادرة جديدة طريقها نحو اقتصاد متنوع: مصنع سعودي للإطارات بشراكة صينية وتمويل ضخم يقترب من خمسة مليارات ريال. الفكرة بدت أولاً مجرد إعلان، ثم تحولت إلى جدول زمني، وطاقة إنتاجية دقيقة، وهوية تجارية محلية تعد بأن تضع ختم “صنع في السعودية” على الإطار ذاته الذي يدور على طرق المملكة والمنطقة.
مصنع سعودي للإطارات: من إعلان طموح إلى خطة تنفيذ مفصلة
انطلقت الخطة من تحديد الموقع والمساحة والقدرة: 362 ألف متر مربع في ينبع الصناعية، بطاقة سنوية قدرها 5.5 مليون إطار، موزعة بين إطارات سيارات الركاب والشاحنات والمركبات العسكرية، مع نصف مليون إطار مخصص للسيارات الكهربائية، وخط خاص لإطارات الطائرات الحربية والطائرات الصغيرة بقدرة 150 ألف إطار سنوياً. يبدأ الإنشاء خلال عام 2025 ولمدة 30 شهراً، على أن تنطلق عجلات الإنتاج بنهاية 2028. ويحمل المصنع العلامة الوطنية الأولى “ساند ستون”، مع فريق تشغيل صيني في البداية وخطة ممنهجة للتوطين عبر معهد المطاط التابع للهيئة الملكية بينبع. هكذا تتكامل الشراكة مع هدف نقل التقنية وبناء خبرة محلية مستدامة.
مشهد أوسع لصناعة الإطارات في المملكة
لا يأتي المشروع في فراغ. فالسعودية سبقت إلى مسار توطين الإطارات عبر شراكات أخرى، من بينها مشروع صندوق الاستثمارات العامة مع الإيطالية بيريلّي بقيمة تقارب 550 مليون دولار، مع توقّع بدء الإنتاج في 2026، ما يعزز قاعدة صناعية يمكنها تلبية الطلب المحلي والإقليمي ورفع المحتوى المحلي في قطاع السيارات. كما شهدت ينبع مشروعاً آخر لشركة بلاكتو بالشراكة مع التايلاندية Golden Star Rubber لبناء أحد أكبر مصانع الإطارات في الشرق الأوسط. هذا التراكم في الاستثمارات يشي بتشكّل منظومة توريد متكاملة تخدم مصانع السيارات الناشئة وسوق قطع الغيار والنقل والخدمات اللوجستية على نطاق المملكة والمنطقة.
لماذا ينبع الآن؟
اختيار ينبع ليس تفصيلاً جغرافياً. الميناء، والبنية التحتية الثقيلة، وقرب سلاسل الإمداد البتروكيماوية اللازمة لمواد المطاط، عوامل تقلّص كلفة النقل والمواد الخام، وتُسهل التصدير إلى أسواق إفريقيا وآسيا. في الوقت نفسه، يتوافق المشروع مع أهداف رؤية 2030 لزيادة مساهمة التصنيع المتقدم وتنويع الصادرات غير النفطية، مستنداً إلى نضوج هياكل تمويلية وشراكات مع لاعبين عالميين يمتلكون التقنية والخبرة التشغيلية. ومع وجود مشاريع موازية في القطاع ذاته، تتعاظم فرص التخصص والتكامل: مصنع يركز على إطارات الركاب، وآخر على الشاحنات، وثالث على المنتجات عالية المتطلبات مثل إطارات الطيران والمركبات العسكرية.
القيمة المضافة وسؤال المخاطر
تَعِدُ الطاقة الإنتاجية المعلنة بإحلال جزء ملموس من الواردات، وتثبيت سلسلة قيمة تبدأ من الكيميائيات وتنتهي بالبيع والتوزيع وخدمات ما بعد البيع. تقسيم الإنتاج بين السيارات التقليدية والكهربية يعكس إدراكاً مبكراً لتحول السوق، فيما يمنح خط إطارات الطائرات الحربية ميزة تقنية تعزز موقع السعودية في سلاسل التوريد الدفاعية. لكن النجاح سيعتمد على سرعة التنفيذ، ونقل المعرفة إلى كوادر وطنية، وتوازنٍ بين تكلفة الإنتاج والجودة والمنافسة السعرية من آسيا. وهنا تبدو خطة التوطين عبر التدريب والشراكات التعليمية نقطة حاسمة كي لا يظل المشروع رهين الخبرة الأجنبية أكثر مما يلزم.
ما الذي يعنيه ذلك للسوق؟
مع بدء تشغيل مصنع سعودي للإطارات بنهاية 2028، يمكن للسوق المحلية أن تنتقل من مستورد كبير إلى مُنتِج يصدّر الفائض، بما يدعم ميزان المدفوعات ويخلق وظائف نوعية في الهندسة والبحث والتطوير وسلاسل الإمداد. وإذ تتكثف الاستثمارات على امتداد القطاع – من بيريلّي بالشراكة مع الصندوق السيادي إلى مشاريع ينبع الأخر – تتجه المملكة نحو بناء كتلة حرجة من الخبرات والموردين قادرة على خدمة طموح صناعي أوسع في المركبات. هذا التحول لا ينعكس في أرقام الاستثمار فقط، بل في تأسيس علامة وطنية تُرى على الطريق وتُقرأ على الجدار المطاطي للإطار.
اقرأ أيضاً: أول قمة تعقد بين الخليج و«آسيان» والصين.. ماذا جرى فيها؟!

