تختبر المدن الكبرى عادة قدرتها على الإدارة تحت الضغط، لكن مكة تُختبر تحت ضغط من نوع مختلف: ملايين يمرون في نافذة زمنية ضيقة، وتفاصيل صغيرة قد تتحول إلى أزمة إنسانية. لذلك تبدو قصة مكة والقطاع غير الربحي أقل ارتباطاً بالشعارات، وأكثر ارتباطاً بتغيير نموذج الخدمة نفسه: من “مبادرات موسمية” إلى منظومة تُدار وتُقاس وتُحاسَب، وتستفيد من التطوع والأوقاف والشراكات، من دون أن تترك الجودة رهينة المزاج أو الارتجال.
مكة والقطاع غير الربحي عملياً
حين تتحدث السعودية عن رفع رهان “الخدمة” فهي تقصد شيئاً محدداً: جعل القطاع غير الربحي جزءاً من بنية التشغيل، لا مجرد “مساند لطيف” على الهامش. هذا يظهر في مشاريع تنسيق العمل التطوعي وتدريبه، وفي برامج تستهدف أرقاماً واضحة لعدد المتطوعين وتجهيزهم، وفي ربط ذلك بتحسين تجربة الحاج والمعتمر كهدف من أهداف برامج الرؤية.
المنطق هنا اقتصادي وإداري بقدر ما هو اجتماعي. الخدمات في العمرة والحج تتطلب أيدياً إضافية في الاستقبال والإرشاد والدعم اللوجستي والإسعاف والترجمة، وهذه وظائف يصعب تغطيتها بالقطاع الحكومي وحده، كما أن تركها لجهات غير منظمة يفتح الباب لفوضى “التطوع غير المؤهل”. لذلك اتجهت الدولة إلى الترخيص والتنظيم وتحديد المسارات، بما في ذلك الحديث عن “رخصة عمل تطوعي” تُقنن المشاركة وتضمن الحد الأدنى من التدريب والسلامة.
رهان الخدمة ومعاييرها
رفع الرهان يعني أيضاً توحيد المعايير. تجربة الحاج تبدأ قبل الوصول إلى مكة، عبر منصات وإجراءات وتصاريح، ثم تمتد إلى النقل والإقامة والإرشاد داخل المشاعر. في هذا السياق، لا يبدو غريباً أن تضغط الدولة باتجاه التحول الرقمي وتقليل الوسطاء، لأن الوسطاء غير المنضبطين هم أول من يستفيد من غياب الشفافية. منصات مثل “نسك” تُقدَّم كواجهة موحدة للخدمات وباقات الحج، وهي، من زاوية تنظيمية، تقلل مساحات “الاجتهاد” التي تدفع ثمنها الحشود.
وفي الجانب غير الربحي تحديداً، يدخل الوقف كأداة تمويل وخدمة قديمة بملامح حديثة. حملات هيئة الأوقاف للتوعية بدور الأوقاف في خدمة الحجاج تشرح لماذا لا تُترك “الخدمة” وحدها لميزانية تشغيلية سنوية، بل يُبنى لها تمويل مستدام يراكم أثره.
التطوع بين الحماس والحوكمة
السؤال الأكثر حساسية ليس “كم متطوعاً”، بل “أي متطوعين وبأي جاهزية”. بيانات المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي حول استهداف عشرات الآلاف من المتطوعين، وتجاوز الأرقام المستهدفة في مواسم سابقة، مع ذكر التدريب وورش العمل والساعات التدريبية، تعكس محاولة تحويل الحماس الشعبي إلى مورد مُدار.
لكن التحول يحمل تحديات واضحة: كيف تُوزَّع المهام على جمعيات مختلفة من دون تضارب؟ كيف تُقاس الجودة في خدمة “ناعمة” مثل الإرشاد والضيافة؟ وكيف يُحمى العمل غير الربحي من أن يصبح واجهة تزيينية في موسم تُدار فيه مليارات؟ الإجابة الرسمية تميل إلى بناء “حوكمة” للقطاع وربطه بمؤشرات أداء، وهي لغة قد تبدو باردة لكنها ضرورية عندما تكون المخاطر بشرية قبل أن تكون مالية.
لماذا الآن تحديداً
السبب الأقرب للمنطق هو أن مواسم ما بعد الجائحة رسخت أن إدارة الحشود لم تعد تحتمل هامش خطأ واسع، وأن أي خلل صغير قد يتضاعف. التقارير الإخبارية عن منع غير الحاصلين على تصاريح من دخول مكة، وتشديد العقوبات على المخالفات، تُظهر أن الدولة تريد تقليل “الضغط غير المحسوب” على المنظومة، لأن الضغط هو ما يكسر الخدمة، ثم يبتلع سمعة الموسم كله.
في المحصلة، مكة والقطاع غير الربحي ليست مجرد “قصة جميلة عن متطوعين”، بل إعادة رسم للمنظومة: تنظيم التطوع، توظيف الوقف، وتحديث القنوات الرقمية، مع إبقاء الدولة ممسكة بمقود السلامة والمعايير. الرهان الحقيقي ليس عدد المبادرات، بل قدرتها على الاستمرار بنفس الجودة عندما يمتلئ المكان بالبشر.
اقرأ أيضاً: فيلا الحجر في العلا.. جسر ثقافي سعودي- فرنسي

