ماذا يعني أن تفوز مكتبة بجائزة في مؤتمر للمكتبات؟ المسألة أبعد من درع يوضع على رف، في الأخص عندما يأتي التتويج في وقت تتغير فيه وظيفة المكتبة نفسها. فالمكتبة التي كانت تقاس أهميتها بعدد الكتب والزوار، باتت اليوم مطالبة بأن تكون مساحة للبحث، والتقنية، وتبادل المعرفة، وربط الجامعات بالمجتمع.
هذا المعنى برز مع حصول فرع مكتبة الملك عبد العزيز العامة في جامعة بكين على الجائزة الأولى وجائزة التميز خلال مشاركته في المؤتمر الوطني الثاني عشر لتحالف مكتبات جامعات اللغات الأجنبية، الذي استضافته جامعة تيانجين للدراسات الأجنبية بين 21 و24 سبتمبر 2026.
الجائزة هنا أبعد من التكريم
هذه الجائزة لاتقتصر على كونها مجرد تكريم وانتهى، إنما هي بمثابة احتفاء بمبادرة مهنية تحمل عنوان “تكاتف أمناء المكتبة والسير معاً على طريق الحرير”، بالتوازي مع بحث علمي بعنوان “خلق القيمة معاً”. والجدير بالذكر أن هذه المبادرة نجحت في الربط بين مجالين غالباً ما ينظر إليهما على أنهما منفصلان، أولهما العمليات اليومية للمكتبات والثاني هو البحث الأكاديمي الذي يوجه تلك الممارسات.
هذا يعني أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الفوز، إنما في تقديم نموذج يتيح للمكتبة توليد المعرفة حول خدماتها، واختبار آليات عمل مبتكرة، ومن ثم تحويل تلك التجربة إلى معلومات قيمة قابلة للمشاركة مع مؤسسات أخرى.
تتضح أهمية هذه الخطوة عند النظر إلى المحاور التي تشكل ملامح قطاع المكتبات في الوقت الحالي، فقد تجاوز المؤتمر النظرة التقليدية للمكتبة كمجرد مستودع للكتب، ليتناول قضايا مثل الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والمكتبات الذكية، ودعم الباحثين.
لقد تحول السؤال مع هذه الجائزة من “كيف نحافظ على المعرفة؟” إلى “كيف نجعل الوصول إليها أسرع وأكثر كفاءة؟”. فعلى سبيل المثال، يمهد الذكاء الاصطناعي الطريق لتحسين أساليب البحث، والفهرسة، والوصول إلى الموارد، وتحليل المعلومات. وفي الوقت نفسه، يتيح التحول الرقمي للمكتبات فرصة توسيع نطاق خدماتها لتتجاوز جدرانها المادية، وتصل إلى الباحثين والطلاب أينما كانوا.
اقرأ أيضاً: مكتبة الملك عبد العزيز العامة: حافظة للتاريخ العربي
ماذا تعني هذه الجائزة من حيث الأثر الملموس؟
لا تظهر القيمة الحقيقية لأي مبادرة مهنية عند الإعلان عن الجائزة، إنما في ما يلي ذلك، فإذا تطورت المبادرة الفائزة إلى ممارسات قابلة للتطبيق العملي، فقد تؤثر في تدريب أمناء المكتبات، وتطوير الخدمات المقدمة للطلاب والباحثين، وتبادل المعرفة المتخصصة بين المؤسسات، وإنشاء مشاريع مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية. تعتبر الجائزة مؤشر على قدرة المؤسسات المعرفية على المساهمة في صياغة حلول جديدة، وليست مجرد شهادة على نجاح مبادرة محددة.
كما تحمل هذه المشاركة جانباً أوسع في العلاقة بين السعودية والصين، جانباً يتعلق بالتعاون الأكاديمي والثقافي بين البلدين، فبصفة المملكة عضواً في تحالف يضم 27 مكتبة، يحظى الفرع بفرصة التواصل مع مؤسسات جامعية متنوعة وتبادل المعرفة المتخصصة في ظل قطاع يشهد توسع بشكل متسارع. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى المكتبة باعتبارها جانب من شبكة تعزز العلاقات بين الجامعات والأوساط العلمية، وتخطت بذلك كونها مجرد مؤسسة توفر الكتب والمراجع.
عندما تصبح المكتبة شريك يتطلع إلى المستقبل
تسلط فعاليات المؤتمر الضوء على تحول مهم وعصري، فالمكتبة الحديثة لم تعد تنتظر قدوم الباحثين إليها، بل تسعى لمواكبتهم ومرافقتهم أينما وجدت المعرفة ووجد الباحثين. في ظل تضافر جهود البحث العلمي والتقنيات الرقمية والتعاون الدولي، تشهد المكتبات تحولاً بشكل تدريجي من كونها مجرد مستودعات للمعلومات إلى منصات لإنتاج المعرفة وتبادلها.
وهنا تكمن قيمة الجائزة بالتحديد، فهي لا تقتصر على إضافة إنجاز جديد إلى سجل المؤسسة الحافل، بل تضع مبادرة مكتبية سعودية في صلب حوار دولي واسع النطاق حول دور المكتبات ومستقبلها.

