لم تعد منصات التواصل الاجتماعي تستخدم كما في الماضي، للدردشة وجعل العالم “قرية صغيرة”، فقد تبدل العنوان لتصبح “طبيبك في جيبك”، فلا حاجة لزيارة عيداتك الأطباء، فبكبسة زر يستطيع موقع متخصص أن يجيبك عن أي استفسار، ويشخص لك حالتك. وهذا الأمر طبعاً لم يعد مقتصراً على المرضى فقط. بل تجاوزها إلى وجود أطباء يعتمدون على بناء مواقع متخصصة تعمل عن بعد في تقديم الاستفسارات. وكذلك متدربون يتواصلون مع مدربيهم ضمن تخصصاتهم في هذا الشأن. وهذا ما كشفته دراسة سعودية تشير إلى ازدياد اعتماد المتدربين في قسم طب الأسنان على السوشال ميديا في تخصصاتهم، خصوصاً في ظل الذكاء الاصطناعي الذي زاد من هذا الاعتماد.
وفي تفاصيل الدراسة التي تم نشرها في يونيو 2026، أشارت أن استخدام منصات التواصل الاجتماعي أصبح وسيلة يعتمد عليها كثير من أطباء الأسنان في عملهم اليومي.
وشملت الدراسة 326 من أطباء الأسنان والمتدربين في السعودية، شاركوا في استبيان إلكتروني خلال عام 2025، حيث كانت أعمارهم حوالي 5 سنة، بينما تربع طلاب البكالوريوس على رأس المشاركين، ثم جاء بعدهم الاختصاصيين والاستشاريين، ثم أطباء الأسنان العامون، إلى جانب أطباء الامتياز والمقيمين.
وبحسب النتائج، جاء تطبيق “إنستغرام” في المرتبة الأولى من حيث المنصات الأكثر استخداماً بنسبة 70.6%، ثم منصة “إكس” بنسبة 62%، ثم “سناب شات” بنسبة 53.7%.
كما أشار نحو ثلث المشاركين، أي 33.7%، بأنهم يستخدمون هذه المنصات يومياً لأهداف مهنية، مثل عرض الحالات، ونشر المعلومات الصحية، والتواصل مع المرضى، أو متابعة أحدث التطورات العلمية.
وجاء هذا الاستخدام من قناعة راسخة لديهم بأن هذه الوسائل تساعدهم على تحسين التواصل مع الزملاء والمرضى، كما تسهم في تطوير مهاراتهم السريرية من خلال الاطلاع على خبرات وتجارب الآخرين.
لكن… هل يدرك الجميع المخاطر؟
على الرغم من الانتشار الكبير لهذه الطريقة في التشخيص والعلاج، إلا أن الدراسة أشارت إلى وجود نواحي سلبية غفل عنها المستخدمين، وهي عدم إدراكهم الكافي للمخاطر المرتبطة بهذا الاستخدام. إذ حصلت نسبة الوعي على 2.88 من خمس درجات، وهو مستوى منخفض نوعاً ما. والملفت بشكل أكبر، أن ثمانية مشاركين فقط من أصل 326 مدركون لمستوى المخاطر، أي ما يعادل 2.5% فقط.
وهذه المخاطر لا تتعلق فقط بنشر الصور، بل تشمل تأثير المنشورات الشخصية على ثقة المرضى، وإمكانية أن يطلع أصحاب العمل على حسابات الطبيب قبل التوظيف، وتأثير اكتشاف المريض للحساب الشخصي للطبيب، عدا عن المسؤولية القانونية التي قد تتحملها المنشآت الصحية بسبب بعض المحتويات المنشورة.
نقص واضح في التدريب والسياسات
ولم تقتصر الفجوة عند بند الوعي بالمخاطر، بل شملت أيضاً معرفة السياسات التي تنظم الاستخدام المهني للمنصات الاجتماعية. فقد أظهرت الدراسة أن 38% فقط من المشاركين يعرفون إرشادات منظمة الصحة العالمية المتعلقة بهذا المجال، بينما سجلت المعرفة بإرشادات اليونسكو حوالي 25.2%، في حين قال 35.9% إنهم يعرفون سياسات وزارة الصحة الخاصة بالصحة الإلكترونية أو الاستخدام الرقمي.
أما داخل أماكن العمل، فيصبح المشهد أكثر وضوحاً، إذ ذكر واحد فقط من أصل خمسة مشاركين تقريباً أي 20.6%، أن جهة عمله تمتلك سياسة واضحة تنظم استخدام المنصات الاجتماعية. والأكثر أهمية أن 4.6% فقط من المشاركين أكدوا أنهم تلقوا تدريباً يشرح لهم هذه السياسات وكيفية تطبيقها. وهذا يعني أن كثيراً من الممارسين يدخلون العالم الرقمي معتمدين على اجتهادهم الشخصي، وليس من خلال تدريب منظم يوضح ما يجوز وما لا يجوز نشره.
الخبرة تصنع الفرق
وهنا لعبت الخبرة دوراً كبيراً، فبحسب الدراسة، كان لدى الاختصاصيون والاستشاريون، وكذلك أطباء الأسنان العامون معرفة أكثر بالسياسات المنظمة مقارنة بطلاب البكالوريوس وأطباء الامتياز والمقيمين.
كما كان من يمتلك خبرة لا تقل عن خمس سنوات أقل عرضة لانخفاض الوعي بالسياسات، وهو ما يشير إلى أن الخبرة العملية تساعد على اكتساب المعرفة، لكنها لا تغني عن وجود تدريب مبكر أثناء الدراسة.
ماذا عن خصوصية المرضى؟
لأن طب الأسنان يعتمد كثيراً على الصور قبل العلاج وبعده، اهتمت الدراسة بمعرفة مدى التزام المشاركين بحماية خصوصية المرضى. حيث أفاد 61.3% بأنهم يطلبون دائماً موافقة المرضى قبل نشر الصور التي يمكن التعرف عليهم من خلالها. بينما اعترف نحو 19% بأنهم لا يحصلون على هذه الموافقة بشكل دائم. وبذلك يبدو أن حماية الخصوصية تحتاج إلى تدريب ومعرفة أكثر.
الذكاء الاصطناعي يطرق باب العيادة
في دراسة أخرى، كان الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً مهماً في القطاع الصحي بشكل عام. وهذا الأمر أصبح شائعاً لدى الكثير من الأطباء. ففي بداية العام الحالي، تناولت دراسة طلاب ومتدربي طب الأسنان في السعودية، ومدى تعاملهم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس من ناحية المهارات التقنية فقط، بل من ناحية نظرتهم إليها ومدى شعورهم بالجاهزية لاستخدامها في المستقبل.
وأظهرت أن المشاركين لديهم نظرة إيجابية إلى هذه التقنيات، ويرون أنها تستطيع المساعدة في قراءة الأشعة، وتحليل الصور الطبية، وتحسين دقة التشخيص، ودعم اتخاذ القرار العلاجي، عدا عن توفير الوقت وتقليل الأعمال الروتينية.
إلا أن هذه النظرة لم تكن خالية من المخاوف. فقد عبّر المشاركون عن قلقهم من أن يؤدي الاعتماد الكبير على الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف المهارات السريرية للطبيب، أو إلى صعوبة تحديد المسؤولية إذا حدث خطأ في التشخيص أو العلاج.
كما أشاروا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يثير أسئلة مهمة، مثل متى يمكن للطبيب أن يثق بنتائج النظام؟ ومتى ينبغي أن يراجعها بنفسه؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا كانت نتيجة النظام غير صحيحة؟
المعرفة النظرية لا تكفي
ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة أن معظم الطلاب يعرفون أن الذكاء الاصطناعي سيكون جزءاً من مستقبل طب الأسنان، لكن هذه المعرفة لا تعني أنهم مستعدون لاستخدامه داخل العيادة. إذ يوجد فرق كبير بين معرفة مفهوم الذكاء الاصطناعي، وبين معرفة كيفية التعامل معه في المواقف السريرية الحقيقية، وفهم حدوده، وطريقة تفسير نتائجه، والتعامل مع الجوانب الأخلاقية والقانونية المرتبطة به.
وهذا يعني أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المناهج الدراسية، بل في تدريسه بطريقة تربط التقنية بالممارسة اليومية، وتساعد الطالب على التفكير النقدي، لا مجرد استخدام البرامج.
باختصار، يبدو من خلال نتائج الدراستين أن القطاع الصحي بشكل عام، وطب الأسنان بشكل خاص، يعيش عصر التحول الرقمي، سواء من خلال استخدام المنصات الاجتماعية أو دخول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الممارسة الطبية. إلا أن هذا التحول ينطوي على مجموعة من المخاطر التي لا بد للأطباء والمتدربين الوعي بها. فليس المطلوب هنا عدم التعامل مع هذا التحول، بل تكييفه بالطريقة التي تناسب أخلاقيات المهنة.
اقرأ أيضاً: دراسة الطب في السعودية

