يسأل كثيرون: من أين تأتي الإشارة التي تجعل رسالة واتساب تصل في لحظة، أو فيلماً عالي الدقة يعمل بلا انقطاع، خاصة داخل السعودية التي يكاد تغطي الإنترنت كل زاوية فيها؟ خلف هذه السهولة شبكة هائلة من الكوابل والمراكز والمحطات الدولية، تستثمر فيها شركات الاتصالات السعودية مليارات الريالات، وتديرها تحت عين تنظيمية صارمة من هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية (CST) التي تشير تقاريرها إلى وصول انتشار الإنترنت في المملكة إلى نحو ٩٩٪ من السكان، وهو رقم يضع السعودية بين الدول المتقدمة رقمياً على مستوى العالم.
هكذا يصبح السؤال عن مصدر الأنترنت في السعودية ليس فضولاً تقنياً فقط، بل مدخلاً لفهم كيف تشتري الشركات السعودية جزءاً من “شبكة العالم” وتعيد توزيعه على الأفراد والجهات الحكومية والقطاع الخاص.
مصدر الإنترنت في السعودية عالمياً
جوهر القصة أن شركات الاتصالات في السعودية لا “تصنع” الإنترنت من الصفر، بل تربط شبكاتها الوطنية بالشبكات العالمية عبر ما يعرف بالكوابل البحرية الدولية والبوابات الدولية للإنترنت. تقارير متخصصة عن سوق مراكز البيانات والبنية الرقمية في المملكة لعام ٢٠٢٤ توضّح أن السعودية تعتمد اليوم على شبكة تقارب خمسة عشر كابلاً بحرياً يربطها بقارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، مع ستة كابلات إضافية قيد الإنشاء حتى عام ٢٠٢٥، وتُعد جدة نقطة الإنزال الرئيسية لهذه الكوابل، مع نقاط أخرى في الخبر وضباء وحقل وينبع.
هنا، تتعاقد الشركات السعودية مثل stc وموبايلي وزين وشركات الجملة الأخرى مع مشغلي هذه الكوابل أو مع مزودي السعات الدولية (International Transit) لتأمين سعات ضخمة من البيانات تُقاس بوحدات “تيرابت في الثانية”، هي ما يشكّل عملياً مصدر الانترنت في السعودية.
الاتفاقيات لا تتوقف عند شراء سعة خام، بل تمتد إلى عقود مع مزودي المحتوى العالميين، ومنصات الحوسبة السحابية، وشركات توزيع المحتوى (CDN)، بحيث يمر جزء كبير من حركة الإنترنت من وإلى المملكة عبر مسارات متعددة ومتنوعة، لتقليل المخاطر وزيادة الاعتمادية. هذا التنوع في الكوابل والمسارات هو ما يسمح للسعودية أن تلعب دور “جسر رقمي” بين الشرق والغرب، كما تذكر تقارير استثمارية تعتبر المملكة مركز عبور مهماً لحركة البيانات في المنطقة.
بوابات دولية وقلب وطني
بعد وصول الكابل البحري إلى الشاطئ، لا ينتقل الأنترنت مباشرة إلى المنازل، بل يمر أولاً عبر محطات إنزال وبوابات دولية تديرها شركات متخصصة. بيانات شركة center3، الذراع المسؤول عن البنية التحتية الرقمية لمجموعة stc، وموقع Submarine Networks المتخصص، توضح أن محطات إنزال الكوابل تُدار في جدة وينبع والخبر وضباء وحقل، وتستقبل أنظمة كابلات عالمية مثل SEA-ME-WE وFLAG و2Africa وSaudi Vision وغيرها، ما يجعل السعودية نقطة التقاء مهمة لعدد من أكبر الكوابل البحرية في العالم.
في جدة تحديداً، يوجد مركز “MENA Gateway (MG1)” ومحطات كابلات متعددة في مباني السلمة والرويس والمجمع، وتربط هذه البنية بين الكوابل البحرية والشبكات الأرضية، إضافة إلى استضافة نقطة التبادل “JEDIX” التي تمكّن مزودي الخدمات ومشغلي الاتصالات ومزودي المحتوى من تبادل الحركة محلياً بدل مرورها في الخارج.
وبشكل موازٍ، أسست موبايلي مع شركة Equinix نقطة تبادل إنترنت محايدة في مركز البيانات JED1 في جدة، لتعزيز الربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا عبر السعودية وتحسين بيئة “التحاذي” أو الـ Peering في المنطقة.
هذه البوابات الدولية هي “القلب” الذي يضخ حركة البيانات من العالم إلى الشبكة الوطنية، ومن دونها لن يكون لسعات الكوابل البحرية أي قيمة فعلية للمستخدم النهائي.
من الكوابل إلى المنازل
من البوابة الدولية، ينتقل الإنترنت إلى عمق الشبكة الوطنية عبر عمود فقري من الألياف الضوئية يغطي المملكة طولاً وعرضاً. وثائق stc حول الانتشار الدولي تذكر أن شبكة الألياف الأرضية لديها تمتد لأكثر من ٢٥٠ ألف كيلومتر، وتشكل أكثر من ستين حلقة وطنية مترابطة، مصممة بهيكلية “حلقيّة ذاتية الإصلاح” لضمان استمرار الخدمة حتى في حال تعطل أحد المسارات.
الشبكات لا تخدم stc فقط، بل تشكل أساساً تعتمد عليه شركات أخرى عبر اتفاقيات سعات وتأجير بنية تحتية.
في المدن، تُقسَّم السعات القادمة من العمود الفقري إلى شبكات أصغر: مراكز بيانات، وغرف تجميع، وأحياء سكنية، وصولاً إلى كابينة في الشارع أو جهاز على سطح برج جوال. من هناك، يلتقي مصدر الانترنت في السعودية مع تقنيات الوصول المختلفة: ألياف بصرية إلى المنازل (FTTH)، أو شبكات الجيل الرابع والخامس (4G/5G)، أو حتى بعض الوصلات اللاسلكية الثابتة في المناطق الطرفية. في كل هذه المراحل، يبقى الإنترنت القادم من الكابل البحري هو الأصل، بينما تتنوع فقط طريقة وصوله إلى جهاز المستخدم.
بدائل فضائية وسحابة محلية
على الرغم من الاعتماد الرئيس على الكوابل البحرية والألياف الأرضية، لا تكتفي شركات الاتصالات في السعودية بمصدر واحد للإنترنت. هناك مسارات أرضية تعبر الحدود إلى دول الجوار، تمر عبر الكويت والبحرين وقطر والإمارات والأردن، وتوفّر بدائل إضافية في حال تعطل بعض الكوابل البحرية، كما توضح خرائط الشبكة الإقليمية المنشورة في تقارير البنية التحتية والبيانات الدولية للشركات السعودية.
إضافة إلى ذلك، تُستخدم الروابط الفضائية (عبر الأقمار الصناعية) كمسار احتياطي أو لتغطية المواقع البعيدة جداً عن مراكز المدن، مثل بعض المنصات النفطية أو المواقع الصحراوية النائية. ومع توسّع الحوسبة السحابية ومراكز البيانات داخل المملكة، بدأ جزء متزايد من المحتوى يُخزَّن ويُعالج محلياً في مراكز بيانات بالرياض وجدة والدمام ونيوم، وهو ما يقلل المسافة التي تقطعها البيانات ويخفف الضغط على الكوابل الدولية، مع بقاء هذه الكوابل هي مصدر الانترنت في السعودية عندما يتعلق الأمر بالاتصال بالخدمات العالمية خارج الحدود.
اقرأ أيضاً: كيف تقود هيئة الاتصالات والفضاء والتنمية المملكة نحو مستقبل رقمي ومستدام؟

