في عالم تتزايد فيه المخاوف من الأوبئة العابرة للحدود، لم يعد تأمين اللقاحات مجرد إجراء وقائي، بل تحول إلى جزء من منظومة الأمن الغذائي والاقتصادي للدول. وفي هذا السياق، تتجه المملكة العربية السعودية نحو تعزيز قدراتها المحلية في مجال الصناعات الحيوية البيطرية، عبر شراكات تجمع بين المؤسسات الوطنية والخبرات العالمية، في خطوة تستهدف بناء قطاع أكثر جاهزية لمواجهة التحديات الصحية المستقبلية.
شراكة ثلاثية لتوطين صناعة اللقاحات
شهدت العاصمة الرياض توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية بين البرنامج الوطني لتطوير قطاع الثروة الحيوانية والسمكية، وشركة Anivax، وشركة Boehringer Ingelheim المتخصصة في الحلول البيطرية والوقاية من الأمراض، وذلك بحضور نائب وزير البيئة والمياه والزراعة م. منصور بن هلال المشيطي. وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التعاون في مجالات تطوير وتصنيع اللقاحات البيطرية داخل المملكة، وتبادل الخبرات العلمية والفنية، إلى جانب دعم جهود البحث والتطوير المرتبطة بمكافحة الأمراض والأوبئة التي قد تؤثر على قطاع الثروة الحيوانية.
اقرأ أيضاً: قطاع التقنية الحيوية السعودي.. ركائز واعدة للاستثمار و الاستدامة والاكتفاء الذاتي
بنك وطني للمستضدات ومخزون استراتيجي
يتضمن التعاون إنشاء بنك وطني للمستضدات يغطي السلالات المحلية والإقليمية، بما يساهم في رفع مستوى الجاهزية للتعامل مع المخاطر الوبائية المحتملة. كما تشمل الاتفاقية إدراج لقاحات ما قبل الجائحة وبنك المستضدات ضمن المخزون الاستراتيجي الوطني، بهدف تعزيز القدرة على الاستجابة السريعة عند ظهور أي تهديدات صحية.
وتتوسع مجالات التعاون لتشمل دراسة احتياجات السوق المحلية من اللقاحات البيطرية، والعمل على تطوير لقاحات ذات أولوية وطنية، إضافة إلى تبادل البيانات الوبائية وتطوير أدوات التشخيص وتنفيذ حملات توعوية وبرامج تدريبية تستهدف الكوادر الوطنية العاملة في هذا المجال.
دعم الأمن الغذائي وتعزيز الصناعة الحيوية
يأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الأمن الغذائي المستدام ودعم نمو قطاع الثروة الحيوانية في المملكة. كما يعكس السعي إلى استقطاب الشركات العالمية المتخصصة وتوطين المعرفة والتقنيات الحديثة المرتبطة بالصناعة البيطرية. وتبرز مدينة Biotech Park كإحدى الركائز الأساسية لهذا المسار، إذ تمثل أول مدينة متخصصة في التقنيات الحيوية البيطرية على مستوى العالم، وتضم مرافق بحثية وصناعية متكاملة تستهدف جذب الاستثمارات والخبرات الدولية. ويرى مختصون أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تسهم في بناء منظومة وطنية متقدمة قادرة على تطوير حلول محلية للأمراض الوبائية، وتعزيز استدامة القطاع البيطري على المدى الطويل.
وبين أهداف التوطين ومتطلبات الأمن الحيوي، تبدو المملكة أمام مرحلة جديدة تسعى من خلالها إلى تحويل قطاع اللقاحات البيطرية من الاعتماد على الاستيراد إلى شريك فاعل في الإنتاج والابتكار، في مسار يعكس التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التقنيات الحيوية عالمياً.

