لطالما كانت الصحراء العربية غنية بالحيوانات البرية الموجودة فقط في البلاد العربية. غير أن بعضها بدأ بالانقراض نتيجة عوامل كثيرة، وعلى رأسها الصيد الجائر وتراجع أماكن موطنه. ومنها المها العربي، الذي بدأ بالانقراض منذ عام 1972، غير أن الجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية منذ سنوات طويلة بدأت تظهر نتائجها اليوم، بعد حملة شملت زيادة أعداده، وحماية موطنه، ومن ثم إطلاقه في البرية ومتابعة حالته كل عام.
لتكون النتيجة اليوم وصول عدد المها العربي إلى نحو 3,064 فرداً موزعين على 11 موقعاً في البرية مع بداية العام الحالي، مع استمرار ارتفاع أعداد القطعان.
من خطر الانقراض إلى بداية رحلة الإنقاذ
لم يكن القلق على مستقبل المها العربي من الانقراض جديداً، بل كان قديماً منذ عام 1961، وذلك عندما أشار الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة إلى الخطر الذي يهدد هذا النوع، نتيجة استمرار الصيد الجائر وتدهور البيئات التي يعيش فيها، وبذلك أصبح المها أمام خطر الانقراض.
وبالفعل، اختفى المها من البرية عام 1972، لتبدأ بعدها جهود كبيرة للحفاظ على الأفراد المتبقية وإكثارها في بيئات آمنة، على أمل أن يأتي يوم تعود فيه إلى الطبيعة.
هذا ما دفع السعودية لاتخاذ خطوات جدية للحفاظ على المها العربي عام 1986، عبر برنامج إكثار المها العربي في محمية الإمام سعود بن عبدالعزيز الملكية، التي كانت معروفة في السابق باسم “محازة الصيد”.
ومع نجاح عمليات الإكثار وارتفاع أعداد المها، لم يعد الهدف مجرد الحفاظ عليه داخل المحميات، بل أصبح هناك هدف أكبر، وهو إعادته إلى المناطق التي عاش فيها عبر التاريخ.
لذلك توسعت عمليات إعادة التوطين عام 1995 لتصل إلى محمية عروق بني معارض، بالإضافة إلى مواقع أخرى ضمن النطاق التاريخي للمها العربي في المملكة.
القصة لم تكن مجرد إطلاق حيوانات في الصحراء
قد يعتقد البعض أن إكثار المها عملية بسيطة يتم فيها إكثاره ومن ثم إطلاقه في البرية، غير أن الواقع معقد، لأنه حتى تنجح عودة المها، كان لا بد من توفير بيئة مناسبة وآمنة يستطيع فيها العيش والتكاثر، وهذا ما دفع لإيجاد برامج حماية الموائل والمناطق المحمية لتكون الجزء الأساسي في البرنامج.
كما ساعدت الأنظمة البيئية وتطبيقها على الحد من التهديدات، بينما وفرت برامج الإكثار أعداداً مناسبة يمكن الاعتماد عليها لتكوين جماعات جديدة.
ثم جاءت مرحلة الرصد التي تأتي بعد مرحلة إطلاق المها، حيث تستمر فيها المتابعة عبر مراقبة أعداده وتحركاته وحالته، ورصد أي تغيرات أو مخاطر قد تؤثر في الجماعات الجديدة، للتعامل معها في الوقت المناسب.
والجدير بالذكر أن الجهود لحماية الطبيعة في المملكة ازدادت مع إطلاق رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، التي تم فيها توسيع مناطق المحميات، واستهداف حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية، بالإضافة إلى تطوير الأنظمة البيئية وتعزيز الجهات المعنية بإنفاذها.
وبذلك تحولت مهمة استعادة المها من عمليات متفرقة إلى منظومة متكاملة تبدأ بالإكثار، وتستمر حتى بعد عودة الحيوان إلى البرية.
من “منقرض في البرية” إلى آلاف الأفراد
بدأ ظهور الإنجاز الذي حققته المملكة في إكثار المها العربي عام 2011، عندما تم تغيير تصنيف المها العربي على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة.
فبعد أن كان مصنفاً “منقرضاً في البرية”، انتقل إلى “معرض للخطر”، ليتحسن في ثلاث فئات على القائمة الحمراء. بينما تستمر السعودية اليوم بدعم النتائج التي توصلت إليها عبر توسيع جماعات المها العربي، وتعزيز موطنها.
وبحسب بيانات المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لعام 2026، أصبح هناك نحو 3,064 فرداً من المها العربي في 11 موقعاً برياً، مع استمرار الاتجاه التصاعدي لأعداد القطعان.
وتعد الأرقام السابقة بمثابة دليل على نجاة المها من الانقراض، واستعادة الهوية البرية للصحراء العربية، وتعزيز الأبحاث الخاصة بالإكثار والرعاية البيطرية وإدارة المحميات وتطوير المهارات.
باختصار، الإنجاز السعودي باستعادة المها العربي ليس مستغرباً في بيئة توفر كل أدوات الدعم والمساندة للباحثين والقائمين على حماية الحيوانات. وبذلك يعود لها الفضل بالحفاظ على موطن حيوان لطالما مثل صورة عن البيئة الصحراوية العربية، وعرف عبر التاريخ أن منشأه من البلاد العربية.
اقرأ أيضاً: منح جديدة لحماية النمر العربي: هل تنجح البحوث الصغيرة في إنقاذ نوع مهدد؟

