تحمل ذاكرة أجدادنا الكثير من الذكريات السعيدة التي كانت متعلقة بحفلات الأعراس، وليالي الحناء، وعزومات الجيران للمشاركة في الأفراح. فقبل أن تنتقل حفلات الأعراس إلى القاعات، وتنتظم الدعوات، كانت تستمر لأيام وسط مشاركة أهل الحي.
كما كانت الفرحة تعم المجتمع بأكمله، حيث لكل شخص دور في التحضير للعرس، وكل بيت يقدم ما يستطيع، لذلك لم تكن الأعراس القديمة مجرد احتفال، بل كانت صورة جميلة عن التكاتف والمحبة بين الناس. وبالرغم من تغير الكثير من العادات مع الزمن، إلا أن حضورها في الذاكرة ما زال مستمراً، لأنها تحكي عن تاريخ المجتمع السعودي في هذا الجانب.
من اختيار العروس إلى الاتفاق على الزواج
كانت رحلة الزواج في السابق تبدأ قبل الاحتفال بوقت طويل. ففي كثير من الأحيان كان الزواج يتم داخل العائلة، لأن الأقارب كانوا يرون أن ابنة العم أو ابنة الخال أولى بالزواج من غيرها. وكانت بعض الفتيات موعودات بالزواج منذ الصغر، لذلك لم يكن من الممكن التقدم لخطبتهن من أشخاص غرباء.
أما إذا أرادت الأسرة البحث عن عروس من خارج العائلة، فتبدأ والدة الشاب بالسؤال بين الأقارب والجيران عن فتاة تتمتع بحسن الخلق والسمعة الطيبة. وإذا وقع الاختيار على فتاة مناسبة، تزور أم العريس منزلها، فإذا لاقت القبول المبدئي، يجتمع الرجال من الأسرتين للاتفاق على المهر وموعد الزواج وما سيقدمه أهل العريس للعروس.
وكان المهر هو أساس الاتفاق، بينما كانت بعض الأسر تقدم أيضاً ما يعرف “بالدزة”، وهي مجموعة من الملابس والعطور والذهب والأقمشة وكل ما تحتاج إليه العروس. وفي بعض المناطق كان أهل العريس يرسلون كذلك المواد الغذائية الأساسية، مثل الأرز والسكر والتمر والقهوة، لتكون بداية خير للأسرة الجديدة.
عندما يتحول الزواج إلى مشروع يشارك فيه الجميع
بعد الاتفاق تبدأ أجمل مرحلة، وهي الاستعداد للزواج. وأكثر ما يميز الأعراس القديمة أن الجميع كان يشعر بأنه مسؤول عن نجاح المناسبة. فالجيران والأقارب يزورون بيت العريس حاملين الهدايا أو الملابس أو المال لمساعدته، بينما تنشغل النساء بتجهيز احتياجات العروس والوليمة. وبعد اكتمال تجهيز الدزة، يتم حملها في موكب مبهج، مع إطلاق الأهازيج والزغاريد حتى تصل إلى منزل العروس، حيث تُعرض أمام النساء وسط أجواء مليئة بالفرح.
وفي منزل العروس كانت الحركة لا تتوقف. فهناك من تجهز الطعام، ونساء أخريات ينظفن الحبوب ويطبخن الولائم، بينما تساعد أخريات في تحضير العروس، فيستخدمن السدر والزيوت الطبيعية والكركم للعناية ببشرتها وشعرها، قبل أن يأتي موعد ليلة الحناء التي كانت من الليالي المنتظرة.
لكل منطقة طريقتها الخاصة في الاحتفال
بالرغم من أن الزواج مناسبة تجمع السعوديين، غير أن لكل منطقة عاداتها التي تميزها. فمثلاً في المنطقة الغربية، كانت الخاطبة أو والدة العريس هي من تبحث عن العروس، وبعد الموافقة تأتي “الشوفة الشرعية”، ثم تقام “الملكة” التي يصاحبها إنشاد القصائد وتوزيع الحلوى والبخور. أما ليلة الحناء، فكانت تعرف باسم “ليلة الغمرة”، وترتدي فيها العروس لباساً تقليدياً وتزف مع الغناء ورمي المال عليها.
أما في المنطقة الشرقية، فكان العريس يتوجه ليلة الزفاف إلى بيت العروس برفقة أهله وأصدقائه وهم يغنون الأغاني الشعبية حتى يصل إليها. وبعد الزواج يقدم لها هدية ثمينة تعرف باسم “الصباحة”، بينما تبقى العروس في بعض الأسر أسبوعاً كاملاً في منزل أهلها قبل أن تنتقل لبيت زوجها، وهي عادة كانت تعرف “بالتسبيع”.
وفي المنطقة الجنوبية، كانت الاحتفالات تبدأ قبل أيام من موعد الزفاف، حيث تمتلئ البيوت بالغناء وإعداد الأكلات الشعبية، وتزين العروس بالحناء والفل والريحان. وعند يوم الزفاف يشارك أهل القرية جميعاً في الاحتفال، ويقدم لهم الطعام، وسط الأغاني والرقصات الشعبية.
أما في المنطقة الشمالية، فقد اشتهرت بعض القبائل بعادات خاصة، منها شدة حياء العروس، حتى إنها كانت تغطي وجهها لفترة بعد الزواج، كما كانت بعض الفتيات يختبئن يوم الزفاف، وعلى العريس البحث عنهن.
وفي المنطقة الوسطى، كانت بعض الأسر ترى أن العريس لا يشاهد عروسه إلا ليلة الزفاف، وكانت تزف العروس في الهودج، بينما يستمر العرس لمدة ثلاثة أيام متواصلة.
كيف تغيرت الأعراس السعودية مع مرور الزمن؟
الكثير من العادات التي ذكرناها سابقاً اختفت مع مرور الزمان، وتطور الحياة، فالعرس الذي كان يمتد لأيام أصبح يختصر في ليلة واحدة، والأعراس التي كانت تقام في ساحات المدن والأحياء، أصبحت تقام في قاعات مجهزة ومزينة بأفخم التجهيزات، عدا عن أن تنظيم الأعراس أصبحت منظمة بشكل أكبر، ودون الاعتماد على الجيران وأهالي الحي.
وبالرغم من دخول التحديث والتطوير لعادات الزواج في السعودية، بقيت الكثير من القيم تحكم حفلات وعادات الأعراس، مثل صلة الرحم، واجتماع العائلة، والحرص على مشاركة الأحبة هذه المناسبة السعيدة، واختيار الشريك بناءً على القيم الأخلاقية والدينية.
أما اختيار الشريك أصبح لها طرق مختلفة مثل اللجوء لبرامج التعارف بقصد الزواج وانتشار الكصير من المواقع المختصة بهذه المواضيع، مثل تطبيق “مِلكة” الذي يعد من أفضل تطبيقات الزواج في السعودية، والذي استطاع الجمع بين التقاليد والحداثة.
في النهاية، مهما اختلفت عادات الزواج بين الماضي والحاضر يبقى هناك جزءاً من التقاليد باقياً في كل زمان ومكان، والتراث السعودي محظوظ بقدرته على المحافظة على الكثير من هذه العادات.
اقرأ أيضاً: فن السامري.. نبض الفولكلور السعودي وروح المجتمعات المحلية

