تعيش المملكة العربية السعودية حقبة زمنية مميزة، ليست فقط في القطاعات الاقتصادية، بل في قطاع دعم المرأة السعودية، وتصديرها لتمثيل بلدها والعالم في المحافل والمنظمات الدولية. لذلك كان وجود اسم حنان بلخي كمرشحة من قبل السعودية لإدارة منظمة الصحة العالمية للفترة من 2027 إلى 2032 نتيجة طبيعية للسياسة التي آمنت بها المملكة واتبعتها في مجال حقوق المرأة. ومع هذا الترشيح تتفتح الأسئلة في عقول من لا يعرفها حول مسيرتها المهنية التي جعلتها في أوائل السعوديات المرشحات لهذا المنصب الدولي.
اقرأ أيضاً: في يوم الصحة العالمي 2026.. السعودية تحقق قفزة في متوسط العمر المتوقع
من جدة إلى عالم الأمراض المعدية
كانت بداية حنان بلخي في كلية الطب في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة عام 1991 التي تخرجت منها، وانتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة لاستكمال تدريبها الطبي. هناك تخصصت في طب الأطفال، وأنهت برنامج الإقامة في مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، وحصلت على البورد الأميركي في طب الأطفال عام 1996.
لكن اهتمامها لم يتوقف عند طب الأطفال، إذ اتجهت إلى الأمراض المعدية لدى الأطفال، وأكملت زمالتها في هذا المجال عام 1999. وبعد ذلك عادت إلى السعودية، لتبدأ رحلة جديدة من العمل الطبي المترافق مع البحث والتعليم.
فقد حصلت على درجة الماجستير في التعليم الطبي من جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية عام 2009، بينما أصبح تركيزها المهني مرتبطًا أكثر بالأمراض المعدية والوقاية من العدوى ومكافحتها، بالإضافة إلى مقاومة مضادات الميكروبات.
لم تكن مسيرتها خالية من المناصب، خصوصاً بعد الشهادات الأكاديمية التي أهلتها لتولي مناصب قيادية في القطاع الصحي السعودي. لذلك عملت في مجال الوقاية من العدوى ومكافحتها في وزارة الحرس الوطني، وقادت أبحاث الأمراض المعدية في مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية في الرياض.
كما شاركت في التعامل مع تحديات صحية وأوبئة مختلفة، وكان من أبرزها متلازمة الشرق الأوسط التنفسية “ميرس”، التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية عام 2012. وشاركت في أعمال مرتبطة بمكافحة العدوى والاستجابة للمرض، بالإضافة إلى عضوية لجان وطنية معنية بالأمراض المعدية والأوبئة.
ولم يكن عملها محصوراً بالميدان الطبي فقط، بل تجاوز ذلك حتى قادت مركز مجلس التعاون الخليجي لمكافحة العدوى لمدة تجاوزت العشر سنوات، كما تولت مسؤوليات في مركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية في الرياض. وخلال مسيرتها البحثية، نشرت أكثر من 150 بحثاً ومنشوراً علمياً.
من مقاومة المضادات إلى قيادة شرق المتوسط
مع تراكم هذه الخبرات انتقلت بلخي في عام 2019 إلى منظمة الصحة العالمية نفسها، لتتولى منصب مساعد المدير العام لشؤون مقاومة مضادات الميكروبات.
بعد ذلك جاءت كان ينتظرها أهم وأكبر محطات حياتها بعد انتخابها كمديرة إقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط عام 2023، وبدأت مهامها رسمياً في فبراير 2024، لتصبح أول امرأة تقود المكتب الإقليمي منذ تأسيسه.
لم تكن المهمة سهلة، فالإقليم الذي تقوده يضم 22 دولة وإقليماً، ويعيش فيه نحو 745 مليون شخص، في الوقت الذي تواجه دول المنطقة أزمات صحية وإنسانية وصراعات وكوارث وأوبئة في الوقت نفسه.
كان تركيز بلخي في منصبها الإقليمي ينصب على مجموعة من القضايا، منها توسيع الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة بالنسبة إلى السكان الذين من الصعب الوصول لهم، وتعزيز قدرة الدول على الاستجابة للأوبئة والكوارث وتأثيرات تغير المناخ والصراعات.
كما ركزت على الوقاية والصحة العامة، وتوسيع الشراكات والتمويل، وتعزيز قدرات المكتب الإقليمي. وهذه التجربة أعطتها خبرة مباشرة في التعامل مع أزمات صحية معقدة ومتداخلة، وهي خبرة مهمة لأي شخص يطمح إلى قيادة منظمة تعمل على مستوى العالم.
من الإقليم إلى سباق قيادة منظمة الصحة العالمية
دخلت حنان بلخي سباق المنافسة على منصب مدير منظمة الصحة العالمية، والتي يديرها حالياً أدهانوم غيبريسوس، بعد تيقن السعودية أنها المرأة المناسبة بالمكان المناسب.
وتنتهي ولاية غيبريسوس الثانية والأخيرة في 15 أغسطس 2027، على أن تبدأ ولاية المدير العام الجديد في اليوم التالي. وكانت عملية اختيار خلفه قد بدأت في أبريل 2026، بينما يستمر تقديم الترشيحات حتى 24 سبتمبر.
وفي أغسطس 2026 قامت منظمة الصحة العالمية بإدراج بلخي رسمياً ضمن المرشحين المحتملين، إلى جانب حنان محمد الكواري المرشحة من قطر.
لكن الطريق إلى المنصب لن يكون بشكل مباشر، فبعد انتهاء فترة الترشيحات، سيجري المجلس التنفيذي للمنظمة عملية تقييم للمرشحين، ثم يختار قائمة مختصرة تضم ما يصل إلى ثلاثة أسماء، لتنتقل بعدها المنافسة إلى جمعية الصحة العالمية، التي ستنتخب المدير العام الجديد بالاقتراع السري.
ومن المقرر عقد المنتدى الأول للمرشحين في نوفمبر 2026، بينما تتم مراحل القائمة المختصرة والترشيح خلال يناير 2027، قبل الوصول إلى الانتخابات النهائية في جمعية الصحة العالمية.
في النهاية، تدخل حنان بلخي المنافسة بخبرة محلية وإقليمية ودولية تجعل من فوزها بالمنصب قريباً جداً منها. فالمسيرة المهنية التي تمتلكها تجعل ملفها صعب المقاومة، ومرشحاً بقوة للقبول. بينما يبقى الانتظار سيد المشهد لحين انتهاء الانتخابات وإعلان اسم الفائز بالمنصب الدولي.
اقرأ أيضاً: السعودية تمنع تداول الأسبستوس ضمن تحرك لحماية الصحة العامة

