من يتابع مشهد الإعلام العربي لا بد وأنه لاحظ توجه المؤسسات الإعلامية نحو الرياض بعد أن كانت دبي مستقراً لها لسنوات تجاوزت 20 عاماً، وكأن الإعلام العربي يعيد صياغة موقعه بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية. فانتقال مجموعة MBC ومن بعدها قناة الشرق إلى السعودية يعني أن الرياض تحاول أن تكون المركز لصناعة الإعلام العربي في المرحلة القادمة، خصوصاً في ظل المرحلة التي تسارعت فيها حركة الاستثمارات في مجال الإعلام والترفيه.
من دبي التي احتضنت الإعلام إلى الرياض التي تريد صناعة الإعلام
كانت دبي لفترة طويلة محطة أساسية للإعلام العربي، فالبنية التحتية المتطورة والانفتاح ووجود عدد كبير من المؤسسات والشركات، كلها جعلتها بيئة مناسبة للقنوات وشركات الإنتاج والإعلان.
ومن هناك بدأت “MBC” و”العربية – الحدث” وغيرهما، واستمرت المؤسسات الإعلامية في بناء حضور قوي داخل المدينة لأكثر من عشرين سنة، غير أن لا حال يدوم، فالمعادلة بدأت تتغير خلال السنوات الأخيرة.
فالمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام “SRMG” كانت قد أعلنت قبل أربعة أعوام تقريباً نيتها مغادرة دبي بشكل متتابع والانتقال إلى الرياض. ثم جاءت خطوات “MBC” و”العربية – الحدث”، قبل أن تلتحق بها “الشرق”.
وهنا لا نتحدث عن نقل عنوان على الورق، بل عن نقل جزء كبير من عملها لمكان آخر، بما يشمل الموظفين، والاستوديوهات، والإنتاج، والإعلانات، والاستثمارات، والأهم من ذلك مراكز اتخاذ القرار.
والملفت بالأمر أن الرياض اكتفت من استهلاك المحتوى الذي تنتجه مدن أخرى، وتريد أن تصبح المكان الذي يُصنع فيه المحتوى وتُدار منه الصناعة نفسها.
أرقام تكشف حجم الطموح السعودي
لفهم سبب هذا التوجه، علينا أن ننظر إلى الأرقام. فبحسب بيانات “تقرير حالة الإعلام” الذي عرضته وزارة الإعلام ضمن مبادرات المنتدى السعودي للإعلام، ساهم قطاع الإعلام بنحو 16 مليار ريال في الاقتصاد السعودي عام 2024.
والرقم مرشح للارتفاع بشكل كبير خلال السنوات القادمة، إذ تشير التوقعات إلى أن القطاع من الممكن أن تصل قيمته إلى ما بين 41 و47 مليار ريال بحلول عام 2030، مع نمو سنوي يقترب من 9%. ولا بد من تذكر أن هذا النمو لن يكون في الأموال فقط، بل بعدد العاملين أيضاً، حيث تشير التقارير إلى أن العدد يبلغ حالياً نحو 67 ألف وظيفة، وقد يتجاوز 150 ألف وظيفة بحلول عام 2030.
والسؤال هنا: ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن الإعلام يتحول بشكل تدريجي إلى صناعة توفر فرص عمل واستثمارات ومشاريع، وليس مجرد قطاع يرتبط بالقنوات والصحف كما كان في الماضي.
وإذا انتقلنا إلى الإعلان، سنجد أن التحول طاله أيضاً بالأهمية التي طالت الإعلام، فالإعلانات تتجه بسرعة نحو الإنترنت والمنصات الرقمية، وتشير التوقعات إلى أن الإعلانات الرقمية قد تشكل نحو 90% من إجمالي الإنفاق الإعلاني بحلول عام 2029. ومن المتوقع أن يصل سوق المحتوى الرقمي السعودي إلى نحو 5.3 مليارات دولار بحلول عام 2030.
لذلك عندما يتم جمع هذه الأرقام مع حجم السوق السعودية، يصبح من السهل فهم سبب رغبة المؤسسات الإعلامية في أن تكون قريبة من الرياض. فالسعودية تستحوذ على نحو 33.2% من سوق الإعلام والترفيه في الشرق الأوسط، وهذا ما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة. فهناك يوجد جمهور كبير، وإنفاق كبير، ومشاريع استثمارية في القطاع، مع سوق إعلاني ينمو.
لماذا تريد السعودية أن تجمع الصناعة في الرياض؟
قد يبدو انتقال المؤسسات الإعلامية قراراً تجارياً بحتاً، لكن الصورة ليست كذلك، فالحكومة السعودية أطلقت برنامج “جذب المقار الإقليمية”، ومنذ بداية عام 2024 ربطت أهلية الشركات العالمية للفوز بالعقود الحكومية بوجود مقار إقليمية لها في المملكة.
وبذلك أصبح المقر الإقليمي جزءاً من استراتيجية الشركات للوصول إلى السوق السعودية، وليس مجرد مكان تختاره المؤسسة لأسباب تتعلق بالمكاتب أو الموظفين.
وهنا يمكن فهم ما يحدث في الإعلام بشكل أوضح. فالرياض تريد أن تجمع في مكان واحد عناصر الصناعة القائمة على رأس المال، والشركات، والإنتاج، والمواهب، والإعلان، والقرار.
ومع انتقال المؤسسات الكبرى، بدأت تظهر حولها منظومة إعلامية جديدة. “فالمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام”، التي يقع مقرها في مركز الملك عبد الله المالي، تعمل على توسيع نشاطها من النشر التقليدي إلى صناعة المحتوى بمختلف أشكاله.
وهناك أيضاً “بودكاست الشرق” و”راديو الشرق”، إلى جانب “الشرق للأخبار” التي تديرها المجموعة بالشراكة مع “بلومبرغ”، وهو نموذج يجمع رأس المال السعودي بالخبرة والمعايير الدولية.
وفي الوقت نفسه أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من المنافسة. ومن أبرز الأمثلة منصة “شاهد” التابعة لمجموعة “MBC”، التي تنافس على المشاهد العربي في سوق أصبحت تضم لاعبين عالميين كباراً.
حتى صانع المحتوى الفردي لم يعد خارج الصورة، فالهيئة العامة لتنظيم الإعلام تعمل على تطوير الإطار التنظيمي للقطاع، بما يشمل التراخيص وإنتاج المحتوى، بالإضافة إلى برامج تأهيل وتنظيم لصناعة المحتوى.
ومن هنا نفهم أن انتقال “الشرق” إلى مركز الملك عبد الله المالي ليس حدثاً منفصلاً. فهو يأتي ضمن حركة أكبر بدأت منذ سنوات، وسبقتها إليها مؤسسات مثل “العربية” و”MBC”. كما أن “كافد” نفسه أصبح جزءاً من هذه الصورة، بعدما وصل عدد الشركات الأجنبية التي اتخذت منه مقراً إقليمياً إلى نحو 400 شركة.
من سوق إعلامية إلى مركز صناعة.. ماذا بعد؟
كل ما يحدث حتى الآن يشير إلى أن الرياض قطعت شوطاً كبيراً في تغيير موقعها على الخريطة الإعلامية العربية. لكن هناك فرق بين امتلاك صناعة إعلامية كبيرة وبين امتلاك إعلام مؤثر ومنافس. فالأرقام والاستثمارات والاستوديوهات الحديثة يمكن أن تؤسس الصناعة، لكنها لا تضمن وحدها نجاح المحتوى.
في النهاية، قرار النجاح والفشل بيد الجمهور والمحتوى الذي يفضله، أما بالنسبة للمؤسسات الإعلامية، فعليها العمل على إنتاج محتوى يتناسب مع رغبات الجمهور، وفي بعض الأحيان توجيه هذه الرغبات نحو محتوى قيّم، وفي ظل المنافسة الكبيرة، تبدو السعودية كالمحارب الذي يمتلك كل أدوات المواجهة، ولا تبقى أمامه سوى وضع استراتيجيات النجاح والفوز، واستقطاب الجمهور. وبذلك يمكن القول إننا أمام تحول كبير في صناعة الإعلام العربي، وهذا لا يعني أن دبي فقدت مكانتها، لكن مراكز صنع القرار انتقلت للرياض التي عملت بجهد كبير لجذب الشركات لأرضها.
اقرأ أيضاً: شبكة العربية تكمل انتقالها الكامل إلى الرياض وتباشر أعمالها من الحي الدبلوماسي

