في لحظة تبدو فيها الأرض والمغيّب مترابطة في انسجام هادئ، يُرفع الستار نهائيًا عن صفحة قضائية امتدت لأكثر من عقدين. يقف حميدان بن علي التركي على أعتاب مطارٍ أمريكي، وجهه مصقول بعبء السنوات ومسارها الملتف، يتجه نحو وطنه محمّلًا بقصَّة طويلة من التوقّف والتساؤل. ليست هذه لحظة احتفاء، ولا لحظة غضبٍ، بل فصلٌ جديد يفتح أمامه.. فما قصة حميدان التركي ومن هو؟!
من هو حميدان بن علي التركي (Homaidan Al‑Turki)
حميدان بن علي التركي، هو مواطن سعودي من مواليد عام 1969، يُعَد عالماً بارزاً في علوم اللغة والصوتيات، حصل على بعثة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودرس في أمريكا حيث حصل على درجة الماجستير بامتياز من جامعة دنفر بولاية كولورادو.
في عام 2004، اعتُقل لأول مرة بتهمة مخالفة قوانين الإقامة، وعاد الاعتقال عام 2005 حين وُجِّهت إليه وزوجته سارة الخنيزان تهم الاعتداء على خادمتهما الإندونيسية واحتجازها، بالإضافة إلى قضايا سرقة وابتزاز.
في عام 2006، أدانت محكمة في ولاية كولورادو الأميركية حميدان التركي بتهم جنائية شملت الحجز القسري وسوء المعاملة والسرقة، وأصدرت بحقه حكماً بالسجن لمدة 28 عاماً، وحُكم عليه بالسجن لمدة 28 عاماً. بعد سنوات من السجن، وفي عام 2011، جرى تخفيض حكمه إلى 8 سنوات بسبب حسن سيره وتأثيره الإيجابي داخل السجن، بينما بقيت التهمة الأساسية مثبتة.
مسار الاعتقال والنكوص القانوني
على مدى نحو عقدين، حاول الدفاع رفع قضيته وإعادة النظر في الحكم. في بداية عام 2025، توصل الطرفان إلى أن الحكم الصادر بالسجن 28 عاماً ظلّ معيباً قانونياً، ما دفع إلى إعادة النظر في القضية ضمن المحكمة.
وفي مايو 2025، أفرجت المحكمة عنه وبرأته، وأعادته إلى سجن إدارة الهجرة (ICE) تمهيداً لترحيله إلى السعودية.
الإفراج والعودة إلى أرض الوطن
بعد نحو 19 عاماً قضاها في السجون الأمريكية، صدر الأمر القضائي في مايو 2025 بالإفراج عن حميدان التركي، وتحويله إلى عهدة إدارة الهجرة الأمريكية لترحيله. ولم يُسمح له بالعودة إلى الولايات المتحدة.
وبتاريخ 6 آب 2025، أعلن عبر وسائل الإعلام والمصادر المحلية والمواقع الرسمية المغادرة الفعلية للولايات المتحدة، ومغادرته للطائرة وهو في طريقه نحو الرياض.
نجلُه تركي عبّر عبر منصة «إكس» قائلاً: «الحمد لله على تمام نعمته… والدنا حميدان التركي متجه إلى أرض الوطن… ونشكر خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، وشكر خاص للسفارة السعودية التي كان لها أثر كبير في عودته».
انعكاسات القصة على الصعيدين الداخلي والدولي
في السعودية، حظيت قضية التركي بترقب واهتمام شعبي ورسمي، حيث برزت كرمز لمعركة العدالة؛ وكان له دعمٌ واسع من الأسرة الإعلامية، وأدى تدخل السفارة السعودية إلى تسريع إجراءات عودته.
أما في الولايات المتحدة، أثارت قضايا التشدد في العقوبات، مدى عدالة المحاكم للمكلفين من أصول مختلفة، والتوتر حول حرية الأفراد وحقوق العمالة المنزلية. فيما شهدت هذه القضية حساسيات معينة في العلاقات السعودية-الأميركية، حيث زارت وفود أمريكية إلى السعودية لطمأنة العائلة حول سير العدالة.
اليوم، ومع مغادرة حميدان بن علي التركي الأراضي الأمريكية بعد سنوات طويلة من التوقيف والمحاكمات، تُغلق واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل بين القانون والعدالة، بين سردية الدفاع وتفاصيل الإدانة. طويت صفحة امتدت على مدى ما يقرب من عقدين، حملت في طياتها أبعادًا قانونية، إنسانية، وسياسية، وأسئلة لم تهدأ حول معايير المحاكمة وخصوصية السياق الثقافي والقانوني.
اقرأ أيضاً: حكم الإعدام في السعودية: فهم شامل لرؤية القانون السعودي في مواجهة الانتقادات الدولية

