في عصر بدأ يرى العالم فيه نهاية لعصر النفط كمصدر وحيد للثروة، تقف السعودية اليوم على أعتاب خطاب جديد: «ما بعد النفط». في هذا المشهد البانورامي الضخم، يعيد مهندسو الرؤية الوطنية “Vision 2030” رسم خريطة اقتصاد المستقبل، بأسلوب سردي غني ومترابط، يبدأ بغرس بذور تنويعٍ جريء تحت مسميات صناعية، سياحية، رقمية… ويتخطّى تحديات العولمة ليرسم هوية اقتصادية سعودية معاصرة، تنبني على المعرفة والمواهب المحلية.
ما بعد النفط: محركات النمو غير النفطي
في قلب التحوّل الاقتصادي السعودي، تبرز الصناعات التحويلية كدعامة استراتيجية. لقد توسّعت أعمال البتروكيماويات والألومنيوم بصورة لافتة، فقادت صادرات المملكة غير النفطية إلى مستوى قياسي بلغ 137 مليار دولار عام 2024. أضف إلى ذلك استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، مع هدف الوصول إلى إنتاج 58.7 GW منها بحلول 2030، ما يُعزز قدرة هذه الصناعات على النمو والمنافسة عالمياً.
أما قطاع السياحة الفاخرة والترفيه، فهو آتٍ بقوة. فمشاريع مثل جزيرة سندالة في نيوم (Sindalah) باتت رمزاً لهذا التوجّه. الجزيرة تحوي مرسى يخدم 85 يختاً فاخراً، و38 مطعماً مُداراً من قِبَل طهاة نجوم ميشلان. وعلى جبال عسير، يُبنى مشروع قِمم السودة (Soudah Peaks) باستثمارات تصل إلى 7.7 مليار دولار، ويُفترض أن يساهم بأكثر من 7.8 مليار دولار إلى الناتج المحلي بحلول 2033، مستهدفاً جذب 2 مليون زائر سنوياً.
بالتوازي، ومن خلف الستار يرتقي القطاع الرقمي، مع ازدهار التكنولوجيا المالية FinTech وريادة الأعمال Startup. فقد عزَّزت مظلات الحاضنات الحكومية، الصندوق السعودي للتنمية، والإصلاحات التنظيمية دورة جديدة من الفرص الناشئة.
الاستثمار الجريء: دور الصندوق السيادي PIF ومشاريعه العملاقة
كما الجندي المقاتل، يقود صندوق الاستثمارات العامة (PIF) الحملة نحو اقتصاد ما بعد النفط. فهو يضع أصوله الهائلة – التي تجاوزت 4.3 تريليون ريال – خلف مشاريع قيادية كبرى. وفق خطة عادت مؤخراً لتصفيف أدوار الصندوق لصالح الداخل، فقد رأينا تركيزاً محلياً أكبر وتقليصاً للاستثمارات الخارجية من 30 % إلى نحو 18 % من المحفظة.
والمشاريع الكبرى غير معزولة بل متكاملة. في نيوم، فلا يقتصر الأمر على ذا لاين (The Line)، المدينة الطوليّة التي تمتد 170 كم من دون سيارات، وتتضمن سكك حديد عابرة، بل يمتد إلى تروجينا الثلجية وأكويلم تحت الجبل، مرورا بـ سندالة وسواها من مشاريع نيوم المتلاحقة. ورغم مراجعات التكلفة والتأجيلات، يبقى المشروع أفقاً استثمارياً طويل الأمد.
وفي البحر الأحمر، تحت مظلة الصندوق، تُبني منتجعات فاخرة وصديقة للبيئة، وجاء مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة (الريد سي) ضمن تلك الخطط.
جذب الاستثمار الأجنبي: إصلاحات تجرّب نموذج “السياقة الاستثمارية”
يحكم تجربة المستثمر الأجنبي قول مأثور: «التجربة أهم من الإعلانات». فبالإضافة لمشاريع الصندوق، أطلقت السعودية حزمة من الإصلاحات لتسهيل دخول المستثمرين، مثل منصة «السياقة الاستثمارية»، التي تتيح مرونة في تأشيرات العمل، الإقامة، وكفالة الاستثمار. سمح ذلك باستقطاب العديد من الشركات العالمية إلى المناطق الاقتصادية الخاصة SPEZ مثل سبارك (SPARK) الواقعة على ساحل ينبع، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية جنوب جدة، إضافة إلى أربع مناطق خاصة حديثة أُعلن عنها في 2023.
ويمتاز نظام المناطق بتقديم حوافز متعددة منها الإعفاء الضريبي، والملكية أجنبية كاملة، والإجراءات الإلكترونية المبسطة. ووفق بعض التقارير، أكثر من 10 مستثمرين رئيسيين بدأوا عملياتهم منذ عام 2023.
التحديات الصعبة: بناء التنوّع من الداخل
رغم السابق، فإن الطريق ليست معبّدة؛ والتحديات عميقة، نذكر منها:
-
الإيرادات الحكومية
لم يعد النفط المصدر الوحيد لتمويل الميزانية السعودية، فمع تقلّب أسعاره وتراجع الاعتماد عليه، أصبح من الضروري خلق مصادر دخل مستدامة. وهنا برزت ضريبة القيمة المضافة (VAT) كأحد أبرز أدوات الإصلاح المالي. فبعد أن فُرضت لأول مرة بنسبة % في 2018، جرى رفعها بشكل مفاجئ إلى 15% في منتصف 2020، في خضم جائحة كورونا، لتغطية العجز ودعم الإنفاق التنموي.
وهذا القرار أثار جدلاً واسعاً في حينه، وخلق تبايناً في الانعكاسات: فمن جهة، ضاعفت الضريبة إيرادات الدولة غير النفطية، وأسهمت في ضبط العجز وتقوية المالية العامة. لكن من جهة أخرى، أثقلت كاهل المستهلكين، خاصة ذوي الدخل المحدود، ورفعت كلفة المعيشة، ما انعكس على سلوك الإنفاق ونمو الاستهلاك المحلي.
إلى جانب ذلك، تُدرس حالياً أشكال جديدة من الضرائب، مثل ضريبة الدخل على الأفراد الأجانب، أو ضريبة الأرباح الرأسمالية، وهي خطوات حساسة في بيئة تبحث عن جذب الاستثمار الخارجي وتعزيز الثقة بالقطاع الخاص. لذا، فإن الحكومة تمشي على حبل مشدود بين الحاجة إلى تنويع الإيرادات، والحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي والاستثماري.
-
الكفاءات الوطنية
الرافعة الحقيقية لتنويع اقتصادي هي الموارد البشرية. لذلك تُرصد جهود ضخمة في التعليم الفني والتدريب المهني وتحديث المناهج، إضافة إلى مبادرات “القدرات البشرية” لتحسين ملاءمة الخريجين لسوق العمل. ولكن، التحدّي يبقى في تقليل فجوة المهارات وتخريج كوادر قادرة على تشغيل عجلات الاقتصاد الجديد.
السعودية عند مفترق تحوّل لا رجعة فيه
ما يحدث في السعودية اليوم ليس إصلاحاً تقليدياً، ولا تحسناً ظرفياً في مؤشرات الاقتصاد، بل هو محاولة جذرية لإعادة تعريف ما تعنيه كلمة “اقتصاد” في بلد وُلد على النفط وعاش في ظله لعقود. تجربة “ما بعد النفط” السعودية ليست ترفاً استراتيجياً، بل ضرورة وجودية، تُدار بعقلية استثمارية هجومية، ومشاريع فائقة الطموح، وإرادة سياسية حاسمة.
لقد وضعت المملكة نفسها في سباق مع الزمن، حيث لا خيار سوى النجاح. فالمشاريع العملاقة، وصندوق الاستثمارات العامة، وتحولات السياحة والصناعة والاقتصاد الرقمي، كلّها تُعيد تشكيل العمق الهيكلي للاقتصاد السعودي. لكن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في بناء المدن الذكية أو جذب رؤوس الأموال، بل في قدرة هذه المنظومة الجديدة على الصمود، وعلى توليد قيمة مستدامة توصل المملكة إلى مستقبل أقل هشاشة وأكثر استقلالية.
من هنا، فإن السنوات المقبلة ستكون اختباراً قاسياً للنموذج، وستكشف إن كان هذا التحول لحظة استثنائية أم بداية لحقبة اقتصادية سعودية قائمة على التنويع، والانفتاح، والابتكار. وفي كل الأحوال، فإن السعودية تمضي في مشروعها لا كدولة تبحث عن مخرج من النفط، بل كدولة تصمم اقتصاداً يناسب القرن الحادي والعشرين… وما بعده.
اقرأ أيضاً: بدعم من الأنشطة غير النفطية: الاقتصاد ينمو في الربع الأول من 2025

