الحديث عن 26 مليار دولار استثمارات سعودية في أوزبكستان، مع هدف معلن لرفعها إلى 30 ملياراً، لا يخص رقماً منفصلاً عن سياقه، بل يخص مرحلة كاملة يجري بناؤها بهدوء. ما يتغير هنا ليس حجم المال فقط، بل وظيفة هذه العلاقة وحدودها. السعودية تبدو أقل اهتماماً بتسجيل حضور مالي سريع، وأكثر ميلاً إلى تركيب شراكة طويلة النفس، تبدأ من الطاقة، ثم تتقدم نحو قطاعات أوسع تمس البنية التحتية والصناعة والزراعة والخدمات.
لهذا لا يكفي النظر إلى الزيادة الرقمية بوصفها خبراً اقتصادياً كبيراً. الأهم هو ما إذا كانت هذه القفزة تعني انتقال العلاقة السعودية الأوزبكية من مستوى المشاريع الثقيلة التي تقودها شركات كبرى، إلى مستوى أوسع تتحرك فيه شبكات الأعمال والقطاعات المتوسطة وسلاسل القيمة المحلية. هنا بالضبط يصبح السؤال عملياً: هل نحن أمام تمدد طبيعي لمحفظة قائمة، أم أمام إعادة صياغة فعلية للشراكة نفسها؟
الاستثمارات السعودية في أوزبكستان وأي رقم نعتمد
الأرقام المتداولة لا تنقض بعضها بقدر ما تكشف عن زوايا مختلفة للمشهد. تصريحات منسوبة هذا الأسبوع إلى الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال السعودي الأوزبكي تقول إن الاستثمارات السعودية في أوزبكستان بلغت 26 مليار دولار بعد نمو كبير خلال خمس سنوات، مع هدف بالوصول إلى 30 مليار دولار بنهاية هذا العام. في المقابل، كانت بيانات رسمية أوزبكية قد تحدثت في أكتوبر 2025 عن 56 مشروعاً استثمارياً بقيمة 27.2 مليار دولار يجري تنفيذها، إلى جانب 27 شركة ذات مشاركة سعودية، و900 مليون دولار ضُخت خلال 2025 وحده.
وهناك مستوى ثالث من الأرقام. ففي مايو ويونيو 2024 تحدثت جهات رسمية أوزبكية عن محفظة مشاريع مشتركة تتجاوز 30 مليار دولار، ثم عادت لقاءات رسمية لاحقة في أكتوبر 2025 لتشير إلى محفظة عند حدود 27 ملياراً. هذا التفاوت ليس تفصيلاً محاسبياً صغيراً. هو يرجح أن بعض الأرقام يحسب المحفظة الإجمالية بما فيها المشاريع المخطط لها أو التي ما زالت في طور الترتيب، بينما تتعامل أرقام أخرى مع المشاريع الجاري تنفيذها فعلياً أو مع تعريف أضيق للاستثمار.
المؤشر المهم هنا أن العلاقة كبرت إلى الحد الذي لم يعد معه رقم واحد كافياً لوصفها. ولهذا أيضاً تبدو التجارة الثنائية متواضعة قياساً بالاستثمارات. فالتبادل التجاري بين البلدين بلغ 142.4 مليون دولار في 2024، ووصل إلى 111.5 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من 2025. هذه مفارقة واضحة، لأنها تقول إن الشراكة السعودية الأوزبكية تُقاد الآن برأس المال والمشاريع الطويلة الأجل أكثر مما تُقاد بالتجارة السلعية التقليدية.
من الطاقة إلى محفظة أوسع
الطاقة كانت نقطة الانطلاق، وما تزال حتى الآن قاعدة الثقل الأساسية. الحضور السعودي في أوزبكستان ارتبط خلال السنوات الأخيرة بمشاريع كبرى في الطاقة المتجددة والبنى المرتبطة بها، وعلى رأسها مشاريع شركة أكوا باور. في يونيو 2024 تحدثت الرئاسة الأوزبكية عن محفظة قائمة ومحتملة لأكوا باور تزيد على 17 مليار دولار، ثم قالت بيانات رسمية في أكتوبر 2025 إن المشاريع الكبرى للشركة في البلاد تبلغ 15 مليار دولار. الفارق بين الرقمين لا يبدل جوهر الصورة، بل يؤكد أن الطاقة هي الحقل الذي تأسست عليه الثقة المتبادلة بين الطرفين.
لكن الحركة الحالية توحي بأن الرياض وطشقند لا تريدان إبقاء العلاقة داخل هذا الحقل وحده. اللقاءات الرسمية والقطاعية خلال 2024 و2025 و2026 تحدثت عن توسع في مشاريع المطارات والبنية الرقمية وشبكات التدفئة ومعالجة النفايات، إلى جانب الأدوية والخدمات الصحية والمراكز السياحية والعناقيد النسيجية والمشروعات الزراعية. وفي أكتوبر 2025 تم توقيع اتفاق مع مجموعة رياض للكابلات لإنشاء مصنع للكابلات عالية الجهد في طشقند بقيمة 122 مليون دولار، مع طاقة إنتاجية سنوية تبلغ 24 ألف طن، وتوقعات بتوفير 340 وظيفة.
وفي الفترة نفسها، أُقر برنامج عمل يضم أكثر من 20 مشروعاً مشتركاً في الطاقة والمياه وتقنية المعلومات والزراعة والبنية التحتية. أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في اتساع القائمة. الأهم أن العلاقة تبدأ بالخروج من الاعتماد على عدد محدود من المشاريع العملاقة، لتدخل تدريجياً في شبكة أوسع من القطاعات، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار ويجعل أثرها الاقتصادي أقل انحصاراً في قطاع واحد.
لماذا تتحرك الرياض الآن
جزء من التفسير يتعلق بأوزبكستان نفسها. البلد يقدم منذ سنوات سوقاً كبيرة نسبياً في آسيا الوسطى، مع إصلاحات اقتصادية متدرجة، وحاجة واسعة إلى الطاقة والبنية الأساسية، ورغبة رسمية في جذب الاستثمار الخارجي. هذه المعادلة تجعل أوزبكستان مناسبة لرأس المال السعودي الباحث عن أسواق تستطيع استيعاب المشاريع الكبرى، وفي الوقت نفسه تسمح ببناء حضور طويل الأجل في منطقة تزداد أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية.
والجزء الآخر يتعلق بما تريده السعودية من استثماراتها الخارجية. التحرك الحالي لا يبدو منفصلاً عن منطق أوسع يقوم على تنويع الحضور السعودي خارج الدوائر التقليدية، وربط رأس المال بمشاريع تشغيلية ومرافق خدمية وبنى تحتية، لا بالاكتفاء بحيازة مالية صامتة. من هنا يمكن فهم الزيارات الميدانية التي ينظمها مجلس الأعمال داخل المملكة، والاجتماعات مع الغرف التجارية، والحديث المتكرر عن وصل رجال الأعمال في البلدين مباشرة بفرص ومشاريع محددة.
هذا يعني أن الشراكة يعاد ترتيبها على مستويين معاً. الأول هو تثبيت القاعدة الثقيلة القائمة، وخصوصاً في الطاقة والمرافق. والثاني هو بناء طبقة أوسع من العلاقات في الصناعة والزراعة والخدمات والنقل والتقنية. وإذا صح هذا الاتجاه، فإن الحديث لن يكون عن توسع مالي فحسب، بل عن محاولة لصناعة تشابك اقتصادي أكثر تنوعاً وأطول عمراً.
حين تصبح الأرقام اختباراً
مع ذلك، الأرقام الكبيرة لا تحسم وحدها عمق الشراكة. أي علاقة استثمارية من هذا النوع تُقاس في النهاية بسرعة التنفيذ، وحجم التدفقات الفعلية، وقدرة المشاريع على خلق فرص عمل ونقل معرفة وربط موردين محليين بسلاسل إنتاج أوسع. ولهذا فإن التمييز بين المحفظة الإجمالية، والمشاريع الموقعة، والمشاريع الجاري تنفيذها، والأموال التي صُرفت فعلاً، ليس نقاشاً فنياً معزولاً، بل هو صلب التقييم الواقعي.
في الحالة السعودية الأوزبكية، هناك مؤشرات إيجابية لا يمكن تجاهلها، منها اتساع القطاعات، وتكرار الاجتماعات، واستمرار نمو المحفظة الاستثمارية، ووجود مشاريع صناعية وبنى تحتية تتجاوز الحضور الرمزي. لكن هناك أيضاً ما يدعو إلى قراءة أكثر حذراً، لأن التجارة الثنائية ما زالت محدودة مقارنة بحجم الاستثمارات، ولأن القسم الأكبر من الثقل ما يزال متركزاً في الطاقة والبنية التحتية الكبرى.
الاختبار التالي سيكون في قدرة الطرفين على بناء طبقة ثانية من الاستثمارات، أقل صخباً من المشاريع العملاقة، لكنها أكثر التصاقاً بالنشاط الاقتصادي اليومي، مثل التصنيع المتوسط، والخدمات اللوجستية، والتقنيات الزراعية، والمشاريع التي توسع القاعدة الإنتاجية داخل أوزبكستان. عند تلك النقطة فقط يمكن القول إن العلاقة انتقلت فعلاً من قصة أرقام كبيرة إلى شراكة اقتصادية مركبة.
الخلاصة أن السعودية لا تتحرك في أوزبكستان لتكبير محفظة استثمارية فحسب، بل لإعادة تعريف شكل وجودها الاقتصادي هناك. البداية جاءت من الطاقة، وهذا مفهوم، لأن المشاريع الكبرى تبني الثقة بسرعة. لكن الحركة الجارية تشير إلى محاولة أوسع، قوامها نقل العلاقة من تمويل قطاع ثقيل واحد إلى شبكة مصالح تتوزع على قطاعات عدة. وإذا نجح هذا الانتقال، فلن يكون بلوغ 30 مليار دولار مجرد عنوان رقمي لنهاية العام، بل مؤشراً إلى أن الشراكة دخلت مرحلة أكثر نضجاً. أما إذا بقيت القفزة محصورة في عدد محدود من المشاريع الكبرى، فستبقى الأرقام مهمة، لكن أثرها سيظل أضيق من الوعد السياسي والاقتصادي الذي يرافقها.
اقرأ أيضاً: تحالف السعودية وباكستان: علاقات تاريخية تتوج بالدفاع المشترك

